قصص واقعية

زواج مع سبق الإصرار الفصل التاسع عشر

رواية زواج مع سبق الإصرار للكاتبة سلمى المصري

بالعربي / بدأت تفيق من نومها وكأنها تحلم بوجوده حولها؛ لم يستوعب عقلها ماحدث بعد، كل ماتشعر به الآن هو عبق عطره المحبب إليها يغزو أنفها ويدغدغ حواسها آسرا لقلبها مسيطرا على مشاعرها؛

ظهرت على شفتيها ابتسامة حائرة سرعان ما اختفت وحل محلها آهات آلامها وأوجاع عظامها كان ينظر إليها و أسارير وجهه أسيرة انفعالاتها؛ مبتسما حين تبتسم متألما حين تتألم كمن فقد السيطرة على انفعالاته مستسلما لإنفعلاتها هى.

بدأت تفتح عينيها وهى تأن تارة وتهدأ تارة أخرى؛ تتلفت رأسها يمينا ويسارا حتى إلتقطت عيناها من يجلس على مقعد قريبا منها فتسمرت عينيها فجأة عليه وإتسعت وفغرت فاها الذى خرجت منه شهقة كتمتها بيدها بصعوبة بالغة غير مصدقة أنه هو من يجلس أمامها محدثة نفسها:

” لم يكن حلما بل حقيقة لكن كيف ومتى ولماذا وماذا حدث لى “

” لايعنينى من كل هذا غير وجوده بجانبى “

كل هذه التساؤلات تداخلت فى عقلها لحظة رؤيته

وكادت تنم شفتيها عن إبتسامه …………ولكن فجأة تذكرت ما ألم بها من أحداث بل كوارث بسبب هذا المخلوق العنيد المملوء كبرا وغرورا؛ تحول الوجه الملائكى فجأة وأصبح كأنه جمرة مشتعلة تكاد تحرق من يقترب منها ثم أشاحت بوجهها عنه وفرت من مقلتيها دمعة شاردة وإختنق صوتها وظلت تقاوم آلامها

فى محاولة منها لإخراج حروف كلماتها التى كانت وكأنها أشواك تمزقها وهى تخرج من فمها وبصوت مختنق وكأنه يخرج بصعوبة من بئر أحزان عميق: إنت إااايه اللى جايبك هنا أخرج … أخرج …. ماعنتش عايزه …. أشوفك ….. تانى

كان غمر ينظر إليها متألما شاعرا بكل ما تعانيه من آلام عاجزا؛ لايستطيع القرب منها أو البعد عنها فهى قدره وسبب سعادته وآلامه

نظر إليها بأسى وعينين لامعتين بعبرات الندم هامسا: طيب إهدي يا حبيبتى؛ متتعبيش نفسك بالكلام وأنا هاعملك اللى إنتى عايزاه

لبنى التى غلبتها دموعها اللؤلؤيه ومع شعورها بآلامها المبرحة بعد زوال مفعول المسكن: مش عايزاك ….. تعملى حاجة …… كفاية اللى عملته فيا

غمر وقد إمتلأ عن آخره حزنا ألما وندما هامسا: طب لما تقومى بالسلامة إن شاء الله إبقى إعملى فيا اللى إنتى عايزاه وأنا اللى هاجيبلك حقك من نفسى ومن الدنيا كلها بس بلاش دموعك الغاليه

لبنى ببكاء وشهقات طفوليه: خلاص ماعنتش عايزاك وماعتش فى كلام بينا خالص؛ إنسى إنك كنت تعرفنى ولازم تعرف إن اللي كان بينا خلاص إنتهى

زاد بكاءها وهى تقول له بعتاب مؤلم: أنا يا غمر ….أنا … أجيلك لغاية عندك وتسيبنى وتمشى وكأنى ولا

أسوى حاجة عندك وبعد كده ألاقيك واقف تضحك وتهزر مع واحدة تانيه؛ أنا يا غمر تعمل فيا كدا ماكنتش

أعرف إن القسوة دى كلها فى قلبك.

نظر غمر إليها بدموعه المتحجره فى عينيه يعترى وجهه الندم وقلة الحيله لايجد مايقوله: ………….

هدأت لبنى قليلا وتماسكت وإستدعت كل قوتها هاتفه: روح ياغمر … أنا دلوقت اللى بأكرهك وبأكره

قسوتك وبأكره ظلمك ليا وبأكره خيانتك وعمرى ماهاأنسى إنك فى يوم من الأيام سبتنى ومشيت وأنا واقفة

بين إيدين ديب عايز ينهشنى ومن خوفى عليك منه حاولت أخلص منه مع إنى كنت محتجالك وبدل ماتيجى

إنت تخلصنى منه تقوم تسيبني وتجرى

إنهمرت دموعها كالشلال وهى تتذكر ماحدث وأخفت وجهها بوسادتها

إنهمرت دموع غمر وهو يتلقى كلماتها وكأنها سهام ناريه موجهه لقلبه لينال نصيبا من آلامها وأوجاعها

ناظرا إليها لايملك لها أى وسيلة يواسيها بها أو حتى يطبطب على قلبها بكلمة تسكن آلامه؛ فقد كانت محقه

كل الحق فيما قالته

نظرت إليه نظرات لائمه لم يقدر على تحملها فأطرق رأسه لأسفل

وقالت بهدوء برئ معاتبه: ليه ياغمر كدا هو دا أمانك اللى وعدتنى بيه، هى دى ثقتك فيا، للدرجه دي

شايفني خاينه للدرجه دي شايفني رخيصه هانت عليك لبنى

وإشتدت شهقاتها حين تذكرت كلاماته الجارحه لها: هان عليك تقولي ياواطيه.

وإشتد نحيبها وبكائها حتى هدأت قليلا وإستطردت: هو ده الحب في نظرك أنا كان ممكن أغفرلك كل اللى

عملته فيا؛ إنما تخوني لأ.. لأ يا غمر؛ بتعتبرنى أنا الخاينة وإنت اللى بتخون؛ بتموتنى كل يوم ألف مرة

بإتهاماتك ليا، وإنت عايش حياتك بالطول والعرض؛ أنا بأنهار وإنت بتضحك وتهزر مع حبيبة قلبك إمشي

ياغمر كفاية اللى شفته منك ومش عايزه أشوفك تاني

وبصراخ عنيف وبكاء هستيرى: إمشي ياغمر …….. إمشي

دخلت لينا ومنار على صراخها وخروج غمر بسرعة تملأ عينيه دموع ساخنه صامته

أخذت تبكي وتشهق فى حضن منار كطفله فقدت أعز مالديها

ظل غمر جالسا فى حديقة المشفى يلملم أشلاء نفسه المبعثره فى أرض ضائعة تاهت فيها سعادته وأحلامه

محاولا تمالك أعصابه المهتزه

هدأ قليلا ونهض وصعد مرة أخرى إلى طابق غرفتها ولكنه ظل خارجها حتى لمح منار وهى تخرج من

الحجرة لتكلم والدة لبنى فى الهاتف وتطلب منها بعض الأغراض من المنزل والتى تخص لبنى

وبعد أن أنهت حديثها أشار إليها غمر ليتكلم معها

ردت منار بإستياء: نعم إنتى عايز إيه منها تانى البنت منهاره جوه وحالتها صعبه وبصراحة إنت السبب فى

كل اللى بيحصلها دا

غمر بأسى وحزن وصوت مختنق: ياأنسة منار أنا عارف إنك أقرب صديقه للبنى وهى بتثق فيكى جدا

فعلشان خاطرى قوليلها إن اللي كنت واقف معاها دى تبقى ليلة بنت عمي اللي كلمتني مرة وكنت عندهم

بأعطيها الدرس لبنى عارفاها بس ماشفتهاش قبل كده؛ وإني بعد ماسيبتها فى المحل كنت متضايق جدا فقلت

أزور والدي في المقابر لأنى بأرتاح لما أزوره وهناك قابلتها صدفة كانت بتزور هى كمان ووصلتها معايا

وقولي ليها متظلمنيش زي ماأنا ظلمتها علشان الملايكة مبتظلمش وإني عمري ماهاأحب غيرها ولا هايكون

حد في قلبى وحياتي غيرها لغاية آخر يوم فى عمرى

وإستأذن ودون إنتظار ردها ذهب يمشى بخطوات ثقيلة وكأنه يحمل على كتفيه جبال الأرض كلها

دخلت منار الغرفة

منار بحنو: ممكن تهدي بقى يا قمر قبل ماعمو عادل وطنط ورده ييجوا ماينفعش يشوفوكى كدا

لبنى وقد هدأت ومسحت دموعها: مشي يامنار

منار بنظرة حانية: مشي زي التايه لاهو عارف جاى منين ولا رايح فين والله صعب عليا

لبنى بإستنكار: يا سلام صعب عليكى إنتى اللى بتقولى كدا

منار وهي تجلس بجوارها وتمسد لها شعرها: ماهو حكالى اللى حصل كله

ثم توجهت بكلامها إلى لينا بمرح: لي لي ممكن تروحي الكافتيريا وتجبيلنا شاي وتجيبى للولو عصير

لينا بإبتسامه: حاضر يامينو

خرجت لينا من الغرفه

منار بجدية: إحكيلى الأول إيه اللي حصل وإزاي حصلت الحادثة دي

لبنى بحزن: بعد مانزلت من عندك…..

وروت ماحدث بداية من نزولها من عند منار حتى حدوث الحادثة مرورا بما حدث مع غمر

وإستطردت لبنى بصوت مختنق: محستش بنفسي غير وأنا هنا

ثم إلتفتت إليها فجأة مستفهمه: على فكرة هو كان بيقولك إيه بره

منار: كان بيحكيلى اللى حصل وروت لها منار الحوار الذى دار بالخارج مع غمر

وبيقولك متظلمهوش زي ماهو ظلمك علشان الملايكة مبتظلمش وإنه عمره ماكان ولا هايكون في حد في

حياته غيرك وسابنى ومشى وعنيه كلها دموع

لبنى ببكاء: خلاص مبقاش ليه مكان في قلبي يامنار

منار بحنو: مافيش كلام من دا ولا إنتى هاتفرحي لما تلاقيه مع واحده غيرك؛ ثانيا ده بيجيلك كل يوم من

الصبح لغاية بعد نص الليل دا ماكنش بيمشي حتى بعد ما الكل بيمشي ولو تشوفي وهو متذنب تحت فى

الجنينة تحت لغاية مانخلص الدرس علشان يدخل معانا

لبنى بإستفهام وبفزع: طب ماما وبابا عرفوا حاجه لما شافوه وهو عرف إزاى إنى عملت حادثة

منار بجدية: عرف من لينا وكان بييجي يستنى فى الجنينة لغاية مانيجى ويدخل معانا على أنه قريبها

لبنى بحزن وتنهيدة ألم: أنا تعبانة أوي هما قالوا هاخرج من هنا إمتى

منار بحنو: مش قبل أسبوعين علشان تكون حالتك إستقرت

لبنى بغضب وخوف: أسبوعين طب والدروس والمذاكره

منار بحنو: كل شئ له حل ماتحمليش هم إنتى بس

لبنى: ربنا مايحرمنى منك والحمد لله على كل حال

منار بجدية وفجأة: سؤال و مالوش إجابتين عايزه تسيبي غمر

أطرقت برأسها لأسفل في حزن وأشارت برأسها بالنفي

منار بخبث: يبقى تأدبيه مش تسيبيه فاهمه

أومأت لبنى برأسها موافقة

مر إسبوع لم ينقطع عن زيارتها فيه يوميا يذهب إليها وهي نائمه ويغادر قبل إستيقاظها

إحساسه بالندم على ظلمه لها وإيلام قلبها الصغير بقسوته وجبروته جعله يشعر بالذنب تجاهها وبمسئوليته

عما حدث لها وفوق كل ذلك فها هى محبوبته ومعشوقته تتألم أمامه ولايملك لها من الأمر حيله مما أدى إلى

تحطم نفسيته وأحس بزهده عن الحياة وكان أشد ما يؤلمه ويعتصر قلبه نفورها منه فى آخر لقاء لهما لذلك

آل على نفسه أن يتحمل هذه الآلام حتى تسترد صحتها وعافيتها ثم يعيد الكرة مرة أخرى

ليسترد مكانه فى قلبها متربعا فيه ولم يكن هذا الهدف بالأمر الذى يمكنه التنازل عنه حتى لو كان لآخر

عمره؛ فهى ملكه وحبيبته وملاكه ومليكته وعمره كله وكأن هذا الأمل كان دافعه الأول لتحمل هذه الحياة

كان يجلس بجانبها وهى نائمه ينظر إليها يناجيها يتكلم معها هامسا: وحشتيني ووحشني صوتك وشقاوتك

وضحكتك وكلامك وغيرتك وحنيتك وعصبيتك وحشتني كل حاجه فيكي ………..

ظل هكذا يوميا طيلة الأسبوع يكلمها ويشكى لها مايعانيه فى حياته حتى يحين ميعاد حضور والديها ينهض

وينصرف

حتى جاء يوم كعادته

غمر بحزن: هامشي دلوقت وهاجي تاني بكرا ياحبيبة عمري هاتوحشيني لحد بكرا

خرج من الغرفه وقد علا وجهه الحزن على ماآلت إليه حالتها من كسور وعدم قدره على الحركة

لمحته منار عن خروجه دون أن يراها وهو يركب سيارته منطلقا بها إلى عمله

دخلت منار على لبنى فوجدتها وقد ظهر على وجهها الدهشة

منار باسمه: صباح الفل على القمر مالك مستغربه ليه كدا

لبنى بحيرة: صباح الورد ياقلبى مش عارفه بقالي دلوقت إسبوع أصحى على برفيوم غمر مالى الأوضة

منار وقد كتمت ضحكتها وبخبث: وإيه المشكلة يمكن بتحلمى بيه

لبنى بحزن: المشكله إنه من ساعة ما قولتله إمشي وكأنه ماصدق وماعدش بييجى حتى فى الحلم

منار بحنو وهى تبتسم: غمر كان هنا من شويه وريحة البرفيوم بقالك أسبوع بتصحي عليها علشان هو

بيجيلك من يوم مامشى وإنتى نايمة وقبل ماتصحى بيمشي

لبنى بصدمة: بتقولى إيه………

دخل المنزل ووجهه يعتريه الحزن والألم

نور هاتفه بحزم: غمر

غمر متفاجأ وبسرعة: أمرك ياماما

نور بحزم: كنت فين

غمر متلعثما: عند….عند صاحبي اللي في المستشفى

نور بحزم وغضب: بقالك قد إيه متصلتش على أمك

أطرق رأسه إلى الأرض في خجل وبتوتر: أسبوع بس هي كلمتني النهارده إطمنت عليا

نور بحزم: وبقالك قد إيه متصلتش على رقيه ورؤى ولا بتروح عندهم

غمر مطرقا رأسه لأسفل لايجد مايقوله:…………………………….

نور هاتفه بغضب: إنطق

غمر بخجل دون أن يرفع رأسه: كتير ياماما

نور آمره بحزم وهى تمد يدها إليه: هات مفاتيح المحل

غمر بإستفهام: ليه

نور صارخة: هات بقولك ومن غير ليه

غمر مستسلما: حاضر

وأخرج المفاتيح من جيبه ومد يده بها إليها: إتفضلى

نور ساخرة: خليك بقى قاعد فى البيت زي الستات لا شغله ولا مشغله لغاية ماتحترم نفسك وتعرف إن الله

حق

ثم صرخت فى وجهه: ياللا إتفضل من قدامي مش عايزه أشوفك

غمر بعصبيه وقد علا صوته: إنتي بتعملي معايا كدا ليه أنا عملتلك إيه علشان تعملى فيا كدا

نور بغضب: عامللى البيت فندق للنوم بس لابتروح المحل ولابتسأل على أخواتك ……………

قاطعها غمر صارخا بشده: أنا حر أعمل اللى أنا عايزه إنتى إشترتينى ولا يمكن بقيت عبد ليكى ………

لم تدعه يكمل كلامه وهوت عى وجهه بصفعه قوية

نور بصرامة وعيون غاضبه ترميه بسهامها الناريه: علشان تبقى تعلى صوتك عليا مرة تانيه أنا هاربيك

من أول وجديد وهاعلمك الأدب وأعرفك تتكلم معايا إزاى ولا إنت فاكر إنك كبرت على الضرب يابن نصر

كان يقف مذهولا لايدرى مايدور حوله ولماذا؛ ماهذا الذى يحدث معه ولما كل هذه القسوة التى يلقاها من

من أقرب الناس إليه

لماذا تضيع منه لبنى بعد أن أحيت قلبه بحبها وأنارت حياته البائسة المظلمة ولماذا تعامله جدته هذه المعاملة

القاسية لتصل الأمور إلى ضربه وإهانته ومن قبلها أمه التى تركته يختار مصيره وعمره لم يتجاوز العشر

سنوات ليجد نفسه يتيم الأب والأم أهكذا ستصير حياته من ألم لبؤس ليأس لم تكن لتتحمله قدماه فتمالك نفسه

ومسح عبرة فرت من عينه وكان لايزال واضعا كفه على وجهه مكان الصفعة مذهولا غير مصدقا فتحامل

على نفسه وصعد لغرفته وإستلقى على سريره لايدرى ماذا يفعل ووضع يده مرة أخرى مكان الصفعة ليتأكد

أن ماحدث كان حقيقيا وليس كابوسا كانت هى من تخفف عنه عندما تتراكم على قلبه الهموم ولكنها أصبحت

أبعد من نجوم السماء فهو الأن لايريد سواها تطبطب على قلبه الكسير المجروح من كل من أحب

متى ستعرفى كم أهواكى يالبنى

أبيع من أجلك الدنيا وما فيها

لو تطلبى البحر فى عينيكى أسكبه

لو تطلبى الشمس فى كفيك أرميها

أنا أحبك فوق الغيم أكتبها

وللعصافير والأشجار أحكيها

أنا أحبك فوق الماء أنقشها

وضع ظهر يده فوق جبهته ولم يجد للنوم طريقا ومرت أمام عينيه أحداث حياته من أول يوم وعى فيه للدنيا حتى صفعة جدته ولم يجد فى حياته للسعادة وجود إلا ومضات قليله؛ كانت لبنى هى القاسم المشترك فيها فكانت المواسية له وقت حزنه؛ وكانت إبتسامتها تنسيه مايؤلمه وقال لنفسه:

” يالك من غبى أبله؛ لم تحافظ على كنز حياتك ومستقبلك كانت بين يديك جوهرة مضيئه وكسرتها وأضعتها وأطفأت نورها بيديك فهى “

نور حياتى ونعيمها وسعادتها

لم تبتسم شفتاى إلا لمحياكِ

لم تقر عيناى إلا برؤياكِ

لم يطمأن قلبى إلا بفيض حنانكِ

لم تهنأ روحى إلا بوجودك فى حياتى

لم يعد أمامى إلا إسترداد قلبى وعقلى؛ ونهض فجأة وقام بفتح اللاب الخاص به فهو الوسيلة الوحيدة

للإطمئنان على لبنى؛ رغم مايعتريه من ألم نفسى إلا أنه أيقن أن راحته فى القرب منها فكان يريد أن يرى

ماذا كتبت اليوم كان يعرف أن كلامها المكتوب سيزيد حزنه ولكن كله يهون فهي الطريقة الوحيدة ليعرف

أحوالها ففتح صفحتها وحمد الله أنها لم تفعل مثله بحظر صفحته الشخصية صحيح أنه لم يصبح صديقا

مضافا عندها وذلك بسب تسرعه ولكن حمد الله مرة أخرى أنه مازال يستطيع أن يرى منشوراتها وكانت

آخر مشاركة لها منذ ساعه؛ وجدها قد كتبت فيها

“من يفارقك لأتفه الأسباب فهو لم يحبك من الأساس”

نظر إلى المشاركة التي قبلها وفيها

” لا تقل لما أصبحتي قاسية لكل فعل ردة فعل وماأصعب الظلم “

تنهد في حزن وقرر أن يغلق اللاب ولكن قرر أن يكتب

” خسرت كل شيء”

ثم كتب بوست آخر

“سألتزم الصمت الفترة القادمة وسأكتفى بهدوئي وسأتظاهر بأني بخير حتى وإن أصبحت روحي تحترق”

أغلق اللاب في حزن وأستلقى على سريره مرة أخرى مستسلما لأحزانه حتى ذهب فى نوم عميق

دخلت الغرفة وجدته وقد راح فى سبات عميق ولكن مازال بملابسه ويبدو على ملامحه الحزن حتى وهو

نائم خرجت وأغلقت الباب بهدوء

منار وهي تكلم لبنى بالهاتف: مالك يالبني

لبنى بضيق: من شويا جبت صفحة غمر

منار بجدية مستنكرة: ليه بقى إحنا مش قولنا نأدبه

لبنى بحزن: أيوه أنا إتفقت معاكى أدبه مش أسيبه يامنار

منار بحنو: طيب إنتى إتضايقتى ليه لما شفتي صفحته

لبنى بحزن: كاتب كلام حزين أوي منهم واحد بيقول أنه خسر كل حاجه وده معناه إنه في مشكلة تانيه

منار بحنو: يمكن يقصد إنه بخسارتك خسر كل حاجه

لبنى بحزن: مش عارفه حسيت إن قلبى مقبوض فتحت صفحته لقيته كاتب بوست تانى إنه هايسكت الفترة

اللي جايه حتى لو روحه بتتحرق حتى عمرو كان سايب كومنت بيقوله مالك وكاتب كومنت تاني رد على

موبايلك وده معناه إن في مشكلة تانيه مع غمر حتى عمرو مايعرفهاش

منار بنفاذ صبر: لبنى إنتي عايزه توصلي لإيه

لبنى بحزن: حاسه إنه محتاجنى

منار بغضب: على جثتي؛ ويرجع يبهدلك تاني سيبيه زى ماإتفقنا لما يتربى الأول ولا نسيتي اللى عمله

ونسيتي إنك كنتي هتروحي فيها

متذكره ماحدث وبعبرة فرت على وجنتها: عندك حق يامنار لازم يعرف إنه غلط فى حقى

منار بحنو: عايزاكي بقى تخفي بسرعة علشان فاتك حصص فى الدروس كتيرة لازم تراجعيها قبل ماتبدأى

تحضرى الدروس تانى والوقت بيجرى ولازم نستعد لإمتحانات آخر السنة مافضلش غير 5 شهور ونخلص

لبنى: حاضر يامينو متتأخريش عليا بكرا وإبقى هاتيلى كل ورق الدروس اللى فاتتنى

منار بمرح: أيوه كده يالولو تعجبينى هو دا الكلام هانخلص الدرس ونيجيلك على طول

لبنى بحب: تسلميلي ياقلبي

أغلقت الهاتف معاها

قام قبل الفجر بساعة توضأ ووقف مستقبلا القبلة على سجادته حاملا مصحفه متوجها لأحن من فى

الوجود ليناجيه ويشكو إليه قسوة الدنيا ويتوب عن ظلمه لأعز من له فى حياته وكان يطيل فى

سجوده حتى أن عينيه غفت وهو ساجدا على سجادته التى إبتلت بدموع خشوعه وندمه مختلطة بدموع

آلامه ولم ينتبه إلا على صوت المؤذن يرفع آذان الفجر فقام ونزل إلى المسجد ليؤدى به فرض الله

عاد بعد صلاة الفجر ونام ملئ جفونه

فتح عينه على أشعة الجوناء الذهبيه ونهض من سريره وتوضأ وصلي الضحى وإرتدى قميص من اللون

الزهري على بنطلون جينز بلون أزرق فاتح وهبط الدرج كانت نور تجلس على أريكتها تحتسى

قهوتها

نور بحزم : رايح فين

نظر إليها ولم ينطق: ……………………

نور بحزم وهى تمد يدها إليه: هات مفتاح العربية

غمر مذهولا: …………………………

نور هاتفه بحسم وقد علا صوتها: إخلص هات المفتاح

وضع المفتاح فى يدها

نور بحزم: هات الفلوس اللي معاك كلها

غمر وقد إختنق صوته وجف ريقه: ليه

نور آمره بحزم: مش عايزه أسمع ولا كلمة

غمر بحنق: يعني هامشي من غير فلوس

نور بلامبالاة: وأنا مالي

ضاق صدره وأخرج النقود من حافطته

نور بحزم: على الله تسحب فلوس من البنك يلا بقى شوف رايح فين

خرج مغاضبا صافقا الباب خلفه بعصبية وعنف مما أحدث صوتا فزعت له جدته

إلتقطت هاتفها

نور بحزم: صباح الخير

عمرو: صباح الخير ياستي

نور بحزم : قسما بربي ياعمرو لو عرفت إنك أعطيت غمر فلوس لأكون مكلمه حسين يطردك من البيت

ومن البلد كلها

عمرو مستفهما: في إيه ياستي وغمر هايطلب مني فلوس ليه

نور بسخرية: هو يبقى يحكي ليك

وأغلقت الهاتف في وجهه

ثم اتصلت بمحمد وقالت له نفس الكلام وأغلقت معه

نجلاء مستفهمه: في إيه يا محمد ستك مالها

محمد: مش عارف بس شكلها قلبت على غمر جامد وقالتلي إني أشوف حد يمسك الشغل الفترة دي بداله

وممنوع ياخد فلوس الأيام دي خالص

نجلاء بفزع: إتصل بأخوك وشوف فيه إيه

محمد: حاضر ياحبيبتي إهدي إنتى بس

أضاءت شاشة هاتفه برقم محمد

غمر: السلام عليكم

محمد بجدية: وعليكم السلام أخبارك إيه

غمر محاولا أن يكون طبيعيا: الحمدلله بخير وإنتم

محمد: بخير إنت فين كدا

غمر: رايح مشوار لواحد صاحبي

محمد: بس شكلك مش سايق

غمر: لا مش سايق هاركب مواصلات

محمد بحزن: طيب تعالي ياغمر أمك عايزاك وبعدين روح المشوار اللي إنت عايزه

غمر: مش هاينفع لازم أخلص المشوار دا بدري بدري وهاعدي عليك وأنا مروح

محمد : طيب معاك فلوس ياحبيبي

غمر وقد فهم مايرمي له محمد

غمر بحزن دفين: آه الحمدلله يامحمد

أغلق الهاتف مع أخيه ليرن عليه عمرو

عمرو: فينك ياغمر

غمر: رايح عند لبنى عايز أوصل قبل ماتصحي

عمرو بأسي: طيب إنت وصلت لفين كدا علشان أجي أوصلك

غمر: مافيش داعي ياعمرو

عمرو بأسي : إسمع الكلام بس يابنى وقولى إنت فين

وصف له غمر مكانه وفي أقل من عشر دقائق كان أمامه بالعربية ركب غمر بجانبه وأسند رأسه للخلف

وأغمض عينيه زاهدا فى أى كلام

عمرو آسفا: كنت رايح مشي ياغمر

غمر بهدوء: أيوه

عمرو بحزن: إيه اللي حصل بس

روي له ماحدث بينه وبين جدته

غمر مكملا: وقالتلي بعد كدا هاتبقى دي طريقة التعامل معاك

عمرو متألما لما حدث لصديقه: طيب وهاتعمل إيه دلوقت

غمر بضيق: لولا إني مش ناسى كل هي عملته معايا كنت سيبت البيت ومشيت

عمرو بجديه: لا ياغمر إوعي تعمل كدا دي تموت فيها

غمر بحزن: نفسيتى تعبت أوي ومحتاج أبعد لأى مكان يومين أراجع نفسى

عمرو بألم: البعد مش حل بالعكس دا هايعقد الأمور أكتر

صمت غمر وأسند رأسه مغمضا عينيه وكأنه يتذكر شريط حياته بأكمله وصل المشفى كان يعلم

أن أبويها يأتيان إليها في الظهر؛ نظر إلى ساعته وجدها الثامنة صباحا

عمرو بحنو: وصلنا ياعم

غمر: تسلم يا صاحبى

عمرو: هاستناك يامعلم لما تخرج

غمر: متعطلش نفسك إنت

عمرو بجديه: توكل على الله إنت بس

فظهرت إبتسامة صغيرة على ثغره

عمرو بحزن لنفسه:

” ليه الدنيا كلها بتقسى عليك كده ياصاحبي حتى إنتي ياستي مرحمتهوش من قسوتك “

قبل أن يدخل غمر المشفى ويتوجه لغرفة لبنى التى كانت قد إستيقظت من نومها باكرا وهى تعلم بحضوره

اليومى وتهيأت لقدومه ولتبدأ معه دروس تأديبه

إستلقت على سريرها متدثرة بغطاءها مرتديه حجابها

وعندما أحست بحركته خارج الغرفة أغمضت عينيها وكأنها نائمه

دلف إلى الغرفة ليجد أميرته نائمه بوجهها الملائكى جلس على المقعد المجاور لسريرها

ونظر إليها متأملا ملامح وجهها وقد أغمضت عينيها يريد أن يشكو إليها حاله

غمر بحنوهامسا: مش هاتسامحيني بقه أنا تعبان أوي فى بعدك عني ومحتاجلك جنبى الحياة بقت صعبه أوى

من غيرك يالبنى أنا مش عارف أعمل إيه علشان ترجعيلى تانى أنا حاسس إنى ماعدش ليا مكان فى دنيتى

وإنتى مش فيها ياريتنى أنا اللى إتكسرت ولا كنت مت حتى ……….

فتحت عينيها فجأة ونظرت إليه فزعة وقاطعته: إنت بتقول إيه ياغمر بعد الشر عليك ليه بتقول كدا

نظر إليها غمر وقد إنفرجت أساريره فرحا: لبنى حبيبتى …………..

أشاحت بوجهها وقاطعته بغضب مصطنع وخوف من أن يلين قلبها: إيه اللي جابك ياغمر

غمر بهدوء وهو مطرقا رأسه لأسفل: إنتي يالبني أنا باجي كل يوم وإنتي نايمه وبأمشي وإنتي نايمة

لو عايزانى أمشى هامشى بس سيبينى قاعد شويه معاكى مش هاتكلم والله وكأنى مش موجود بس سبينى

أتنفس من الهوا اللى بتتنفسى منه أنا ماعنتش عايز حاجة من الدنيا إلا إنك تكونى معايا وقدامى عنيه

متطردنيش من جنتك يالبنى أنا عارف إنى غلط فى حقك كتير وقسيت عليكى لكن خلاص قربى منك

غيرنى يالبنى وهابعد عن كل طباعى اللى بتزعلك منى وهاتغير علشانك

صمتت لبنى لثواني

ثم نظرت إليه بغضب حقيقى: ليه صاحبتك ولا بنت عمك دي اللي كانت معاك مش مكفياك

غمر بإبتسامه حانيه: ليلة دى زي أختي الصغيره وعمرها ماهتكون غير كدا

لبنى بسخرية: أختك ….. آه ماهو كان واضح أوي فعلا إنها أختك

غمر : يالبنى..

قاطعته بجديه وحزم مصطنع: اللي بينا إنتهى ياغمر حتي لو إتعذبت في بعدك العمر كله

وإستطردت لتذكره بكلماته القاسية: دي مش قسوة مني على فكرة لأ دا شغل ناس واطيين

وإنسابت دموعها رغما عنها وإستطردت: مش واحده واطية بقه وكانت بتتسلي بيك شويه؛ وخلاص وقتك

خلص في حياتها

غمر بحزن: والله الكلمة دى طلعت منى فى ساعة غضب وماعرفش أنا قلت الكلمة دى إزاى؛ عاقبيني

يالبنى وأنا مستعد لأى عقاب لكن متكررهاش تاني أرجوكى ما تعذبنيش أنا بأتعذب كل ثانية وإنتى بعيده

عنى أنا عارف إني أستاهل أكتر من اللى أنا فيه وهاستحمله إلا بعدك عني

لبنى بغضب: وأنا ياغمر ماصعبتش عليك وأنا بجري وراك علشان تسمعني ماصعبتش عليك وإنت بتهيني

ماصعبتش عليك لما وقفت قدام المحل وقولتلك إسمعني والدموع في عيني وسبتنى ومشيت مصعبتش عليك

وإنت بتهد كل حاجه حلوه كانت بينا إنت اللي ماسبتش أي فرصه تخلينى أغفرلك ياغمر حبي ليك أكبر

غلطة بأندم عليها

غمر وقد لمعت دموع الندم فى عينيه عاصية عن النزول: أنا بحبك يالبنى …

لبنى مقاطعة بحزن: حبك مات فى قلبي

غمر بألم وإستعطاف: بتقسى عليا ليه وأنا في أكتر وقت محتاجلك فيه جنبي

لبنى بحزن دفين عاى ما آل له حالهما: أنا برضة كنت محتاجالك جنبي وإنت بعتني رخيص

غمر بحزن: طيب إسمعيني يالبني ووعد مني إنى هاتغير بس محتاجلك جنبى تساعدينى إنى أتغير حتى لو

هتخاصميني ماتبعدنيش عنك وإعملي فيا اللي يشفى غليلك منى أنا قابل منك أى عقاب إلا بعدك عنى يالبني

والله يالبني ماعنت عايز حاجه فى الدنيا غيرك

لبنى بجبروت مصطنع وفى داخل قلبها تتمزق من داخلها خوفا عليه: بره ياغمر مش من الأوضه بس من

حياتي كلها أنا مش لعبة بزرار تشغلها وقت ماإنت عايز وتكسرها وترميها وقت ماتزهق منها وعلى فكرة

دي مش قسوة مني لا ده جزء بسيط من اللي إتعلمته منك ومن قسوتك

غمر برجاء: ولو قولتلك علشان خاطري يالبني فرصة واحدة

لبنى بإبتسامه ساخرة: مبقاش ليك خاطر عندي أنا وقفت مذلوله بقولك إسمعني وكنت المجني عليها ودلوقت

إنت الجاني أسفه ياغمر وقت الفرص خلص

وأشاحت بوجهها منهيه هذا اللقاء بأقسى درس يتلقاه غمر

خرج من الغرفة بعد أن نظر إليها طويلا يستعطفها بنظراته الحزينة المليئة ندما وخجلا مما إقترف فى حقها

من ظلم وإهانه وقسوة متناهية لا تتحملها قلبها الصغير وبما يحمله من براءة

ظلت مشيحه بوجهها عنه ودموعها تنساب بدون صوت ألما وحزنا على قسوتها معه

وبمجرد خروجه إنفجرت باكية غير مصدقة أنها قد أوتيت كل هذه القسوة وكالت له من الكلمات المؤلمة

فهو مازال غمر حبيب عمرها وأول من تربع على عرش قلبها

نظر عمرو وجده آتيا يمشى على غير هدى فعلم أنه لا فائده

طرق الباب بطرقات خفيفة

زواج مع سبق الإصرار الفصل العشرون

بواسطة
بقلم سلمى المصري
الوسوم

أبو إسلام الخطيب

مهتم بالشأن العربي ويتم ترجمة المقالت من وجهة نظر الغرب الي اللغة العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق