قصص وروايات

رواية قبل نهاية الطريق (الجزء السابع والعشرون والاخير)

كانت عليّة منذ أن رأت ليلى وهي تبكي وتأن ولا تسكت وبدأ يظهر التعب عليها فإقتربت الممرضة المصاحبة لها منذ أول يومٍ لمرضها تمرضها وترعاها ،فهي تعلم وتتأكد لو كان الحال غير الحال لما تأخرت ليلى عنها وظلت جوارها ترعاها وتمرضها وتنسى كل شيء.اولت الممرضة أن تهدئها وتعدّل من وضعها لتستطيع النوم لكنها أبت وأخذت تشير أنها تريد ورقة وقلم ، في البداية ماطلتها الممرضة لكن بعد إلحاحٍ من عليّة لبت رغبتها.

وما أن أمسكت عليّة القلم بأيدٍ مرتعشة وكتبت أول كلمة حتى خارت قواها وفاضت روحها.
وبينما كان أحمد جالسٌ في شقته بين آلامه وذكرياته إذ جاءه إتصالٌ من الممرضة فرد عليها مسرعاً منتفضاً فأخبرته بوفاة أمه فأسرع للمستشفي هو وإبنه وبدأت بعدها الإجراءات الخاصة بالمتوفية.
وفي صلاة الظهر كانت الجنازة ليُشيّع جثمانها لمثواها الأخير.

وفي المساء وكان العزاء وقد جاءت ليلى لتقديم واجب العزاء وكانت طوال الوقت غريبة الملامح والتعبير فلا أحد يعلم إن كانت متعبة أم حزينة أم ماذا ؟!
وانتهى اليوم وانصرف الناس وهمّت ليلى بالمغادرة وإبنها يسندها فقابلها أحمد.
ليلى:البقاء لله.
أحمد :لا إله إلا الله ،ربنا يرحمها….. ليلى !
ليلى:نعم.

أحمد :سامحيها يا ليلى ،فهي بين يديّ الله وبحاجة للدعاء.
فقالت:أقسم لك أني قد سامحتها.. رحمة الله عليها.
ثم سارت بضع خطوات ودون أن تلتفت قالت:وقد سامحتك أنت أيضاً .
ولم تدع له فرصة ليرد وتحركت مغادرة بينما هو إبتسم بسخرية من حاله ، وغادر الجميع ولم يتبقى سوى إمرأة واحدة ، وكانت ممرضة أمه.

الممرضة:البقاء لله سيد أحمد.
أحمد :شكر الله سعيك ، وجزاكي كل خير ، لقد قمتي بدورك خير قيام فمرضتيها وراعيتيها و وقفتي في غسلها .
الممرضة:لا تقل هذا سيد أحمد ، هو واجبي ، معذرةً ! هل تلك التي كانت بصحبة إبنك هي زوجتك ؟!!
أحمد :كانت ، هي أم أولادي وليست على ذمتي الآن، شفاها الله وعفاها ومد في عمرها…لكن لماذا تسألين ؟!!!
الممرضة:في الحقيقة ، لست أدري من أين أبدأ…
أحمد :تفضلي ، ما الخطب ؟!!

الممرضة :إن والدتك رحمها الله قد تركت تلك وهي في سكرات الموت ، كأنما كانت تحاول كتابة شيء ما لكن وافتها المنية قبل أن تكمل ما أرادت… تفضل.
فأخذها وفتحها وقرأ الكلمة الوحيدة المكتوبة  زوجتك… ابتسم أحمد بسخرية.
الممرضة:كيف ؟!! معذرةً ، عندما رأيت ما كتبته ذهب ذهني لأفكارٍ…… سامحني الله.
أحمد:تخيلتي أني سأُصدم ؟!!!
الممرضة:اعتذر منك على تدخلي.
أحمد :بل أنا المعتذر على تأخيرك ، جزاكي الله كل خير ، وبارك لك وبارك في أولادك.
الممرضة:ليس لديّ أولاد ،فأنا لم أتزوج من الأساس.
أحمد بدهشة : كيف ؟!! إنك على خلق ، وجميلة أيضاً.

الممرضة:كنت كبيرة أخواتي وكنت أعولهم حتى كبروا وتزوجوا ، ثم بعدها قد كبرت وفاتني قطار الزواج…. الحمد لله ، ءإذن لي.
أحمد :رقم هاتفي معك يمكنك الإتصال بي في أي وقت إن احتاجتي لأي شيء… شكر الله سعيك.
وإنصرفت الممرضة وظلّ أحمد جالساً مكانه حتى الصباح ، فرغم أنه لم يُصدم فرسالة أمه تحتمل أنها قد علمت شيئاً يخص أخلاقها ، وماذا سيكون سوى الخيانة ؟!!!
ولم لا فقد تعرّف عليها في الأصل عبر موقع التواصل الإجتماعي وكانت وقتها متزوجة وعلى ذمة رجل وكانت تحادثه وبعد طلاقها تزوجها ليكيد ليلى… وهذه نتيجة فعلته.

دخل ويقّظ زوجته باكراً فإستيقظت على مضد فأخبرها بهدوء أنها طالق وعليها الذهاب وترك البيت فوراً وسيرسل ورقة طلاقها إلى بيت أبيها.
ولما صرخت وحاولت تجسيد دور الضحية لطمها وصاح فيها فلم تكون أغلى ممن طعن في شرفها ظلماً و إفتراءً قبل ذلك و بتخطيطٍ منها.
وبعد ذلك بأيام وكان أبناءه في دهشةٍ من أمر أبيهما وطلاقه المفاجيء ،لكن على أية حال كانت تلك المرأة غير مريحة.
طلب أحمد من أبناءه مصاحبتهما أثناء ذهابهما لأمهما للمشفي فاليوم المفترض نتيجة الفحوص الأخيرة والتي سيُحدد على أساسها العملية وموعدها.

دخلت مريم لأمها في غرفتها بينما تابع أحمد و محمد حتى غرفة مكتب حسام فطرقا الباب فأذن لهما بالدخول ، وكان وقتها حسام وإياد يتناقشان في أمورٍ طبية ، وبدخول أحمد ومحمد حلت الدهشة ونظرات التساؤل كلاً من حسام وإياد لكنهما رحبا بهما.
أحمد :أشكركما علي حضوركما لجنازة أمي وفي العزاء.
حسام :هذا واجب ونحن أهل ، ربنا يرحمها ويغفر لها.
كان الجو متوتر من جميع الأطراف ، فقال أحمد :ترى هل نتيجة الفحوص الأخيرة لليلى قد ظهرت ؟
حسام:أجل ، حدثني المعمل قبل مجيئكما بدقائق ، وهي الآن في الطريق.
فطُرق الباب ودخلت ممرضة تحمل ملفاً كبيراً ، فقال حسام ببسمة يخفي بها قلقه:إنها هي.
فأخذها بعجلة وجلس ثم وجم قليلاً وتردد في فتح الملف بضعة دقائق كان يتلاقط أنفاسه ويزيغ بصره ، ثم تجرأ وفتح الملف فاقترب إياد جواره ليقرأ معه نتائج الفحوص ، بينما أحمد ومحمد عينهما على وجه حسام يحاولا قراءة تعبيراته.

كان حسام وإياد تتغير ملامحهما و تتشنج شيئاً فشيئاً وبدأت تترقرق العيون بالدموع ،وكان حسام يفتح أزرار قميصه العلوية حيث كان يتنفس بصعوبة ، فأغمض عينه حينما انتهى وترك الملف من يديه المرتعشتين وبدأت عيناه تزرفان دمعاً بشكل لا إرداي….. وبعد فترة من الوقت إنتبه أخيراً لمن يتحدثان إليه مراراً دون أن يعي لهما.
مسح حسام وجهه بالكامل ثم كتب بعض الأشياء الطبية في ورقة طلب الفحوص ثم نظر لإياد وقال : ستقوم أنت بسحب عينة النخاع وعمل البذل….. كما علّمتك.
ثم أمسك به متوسلاً :إياد ! أرجوك ترقق معها ولا تؤلمها… إياد خذ حذرك… لا تخبرها رجاءً.
إياد:لكن…..
حسام:سنعيد جميع الفحوص في أماكن أخرى ، ربما هناك خطأ ما…. مؤكد هناك خطأ.
محمد:ماذا تقول تلك النتائج ؟!!
حسام بصوت مختنق:تقول عدم إستجابتها للعلاج.

أحمد :والعملية ؟!!!
فهز برأسه أن لا وهو يغمض عينيه ويتلاقط أنفاسه ثم أجهش بالبكاء :لا يمكن الجراحة وهي بتلك الحالة.
محمد:ستأخذ جلسات كيميائية من جديد ؟!!
حسام :لن تتحملها.
وفي حجرة ليلى بينما كانت مريم تجلس مع أمها وتحكي لها عن حكاية طلاق أبيها الغامضة إذ دخل إياد بصحبة ممرضة وكان يبدو غريباً،فأخفى ما فيه خلف مداعبته لمريم.
إياد:مريومي يا قلبي ، مرحباً بك.
وقبّل يدها ثم قال :تبدين رائعة الجمال اليوم.

كانت مريم تبتسم إليه لكن ترى في عينيه شيئاً آخر وقد لاحظته ليلى أيضاً  .
ليلى:ماذا بك يا إياد ؟!!
إياد:ماذا هناك ؟! حبيبتي وأرحب بها، هي نوّراة عمري.
ليلى:بارك الله لكما دائماً ، لكن ! كأن هناك أمراً ما ؟!!
إياد :هه ! إطلاقاً ! معذرةً خالتي سنقوم بسحب عينة نخاع وإعادة البذل لمراسلة أكثر من مكان و….
فقاطعته ليلى:والمفترض أن أصدقك ؟!!!! أين حسام ؟! لماذا لم يجيء لسحب العينة بنفسه ؟!!!
إياد:ماذا بك خالتي ؟!! ألا تثقي في ؟! أنت قد أعطيتيني قطعةٌ منك أحفظها في عيني وقلبي مادام نابضاً علي قيد الحياة.

فتعلّقت مريم في ذراعه بسعادة ربما لم تعي شيئاً بعد ، لكن ليلى تهم لتنهض وهي تقول:خذني إلي حسام.
إياد:لماذا ؟!! إنه…..
ليلى:إذن سأذهب بمفردي.
فاضطر إياد لتسنيدها وسارت بين إياد ومريم تتأبطهما ويسيرون ببطء ، فقد فشل إياد في التمثيل على ليلى.
وصلوا جميعاً إلي المكتب ودلفوا لداخله فتفاجأ بهم حسام فأسرع إليهم وبمجرد أن رأته ليلى تأكدت أن هناك خطبٌ ما.
حسام:لوليتا حياتي !! لتلك الدرجة تشتاقين إليّ ؟!!

ونظر لإياد معاتباً فنظر إياد أرضاً وكانت ليلى تتابع تلك النظرات حتى إنها لم تأبه لأحمد الجالس عن مقربة.
حسام :ماذا بك ؟!!
ليلى:لماذا تريد الإعادة ؟!!
حسام:زيادة إطمئنان يا عمري.
ليلى: إذن ما تلك الدموع التي أرى أثرها في عينيك ؟! ماذا لو قلت لا فائدة… سيكون الأمر أوقع.
حسام بإنفعال :لا ، بل هناك فائدة ، سأبحث ومؤكد سأجد حلولاً وطرقاً أخرى ، لا تيأسي حبيبتي فأنا لم أيأس بعد ولن أيأس أبداً.

ثم ضمها إليه وشدد في ضمته لدرجة آلمتها ، فاقترب محمد وقال :هل فعلاً ستتزوجها ؟!!
حسام:بالتأكيد !
محمد:بحالتها وهيئتها تلك ؟!!
فرمقه حسام بغضب ثم قال:وماذا بها ؟ هي حبيبتي وأتمنى قربها بأي صورة وأراها أجمل نساء الدنيا.
كانت ليلى تدمع وهي في حضن حسام فربت عليها بكل حبٍ ورقة وبكل إحساسٍ بداخله أشعرها بكل ذلك الفيض دون أن يأبه أو يراعي أيهم.
فهمست إليه ليلى وقالت:اكتب عليّ يا حسام ، أتمنى الموت وأنا على ذمتك و زوجتك .
فابتسم حسام وعينه تدمع ويحاول المداعبة فهمس لها: إذن هي حقيقة ؟! تشتاقين إليّ وتتمنيني.

فابتسمت ليلى بألم فأكمل هامساً: وتقولي ليس لديّ ما أقدمه لك ، أعلم أن لديكي الكثير.
ليلى:إذن أسرع حتى تلحق ولو إمضائي على قسيمتي.
حسام:كفى عن طريقتك تلك.
ثم أمسك بوجهها برفق واقترب منها وقال بكل حبٍ : لن أيأس ، هناك طرق كثيرة سأراسل أطباء آخرين ومراكز أخرى ولن أستسلم أبداً، أنت أيضاً لا تستسلمي وتمسكي بي وبالحياة وقاومي معي حتى نصل معاً ، فإنت لي كل الحياة ،ولا تيأسي…
لازال- هناك – أمل

ثم قبّل خدها وضمها من جديد ليطمأنها ويبعث بداخل الأمل.
ورغم إختلاف البلاءات لأهدافٍ لا يعلمها إلا الله ، لكن عليك تقبّل مرارة البلاء لتستطيع إجتيازه والإستفادة منه فتذهب وقتها المرراة ، فالدواء المر تذهب مرارته بعد العلاج .
وعلى أية حال مهما حدث فنحن أقوياء لا نيأس أبداً ولا ندع للإحباط سبيلاً لنا.
سألتني معلمتي في طفولتي يوماً ما عن مضاد كلمة اليأس لكني أخفقت يومها الجواب….
لكني قد علمت يا معلمتي الجواب إنه الأمل.. أجل الأمل… ومهما حدث لازال هناك أمل.

لسه في الأيام أمل مستنينه
طول ما في الأيام في ناس عايشين عشانها
لسه للأحلام بقية مكملينها
طول ما في إحساس قلوبنا مصدقينها
طول ما في أدامنا سكة بنمشي ليها
ولما تنزل دمعة لاقيين ناس تشيلها
طول ما لسه العمر بيصالح سنينه
لو في أوقات عدوا بخسارة علينا
لو في ناس حوالينا بسببها أتأذينا
لو في دمعة حزن متشافة في عينينا
باللي بينا كل ده مستحملينه
طول ما إسمك كل يوم بنطق حروفه
طول ما بكرة مسيري علي حسك هشوفه
طول ما أنا طريقي عينيك منورينه
طول ما لسه في ناس بنتدفي بحنانها
والحاجات الحلوة واخدين بالنا منها
وحكايات الحب لسه بنحكي عنها
طول ما لسه الليل في عشاق سهرانينه

سعدت بصحبتكم، وشكراً لحسن متابعتكم،
وإلي اللقاء في مزيدٍ من كتباتي،
يمكنكم متابعتي لقراءة باقي كتاباتي المتواضعة ومتابعة كل جديد،
وأشكركم ثانيةً وخامساً وعاشراً،😍❤❤
وتحياتي،🌹

بواسطة
بقلم نهال عبد الواحد
الوسوم

أبو إسلام الخطيب

مهتم بالشأن العربي ويتم ترجمة المقالت من وجهة نظر الغرب الي اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق