قصص وروايات

رواية قبل نهاية الطريق (الجزء الثامن عشر)

ظل إياد ومريم يتحدثان ويمزحون ويضحكان حتى إنهما قد نسيا وجودهما في مشفي وأنها غرفة عناية مركزة .
حتى جاء صوت من خلفهما فجأة :مارأيكما في كوبان من عصير الليمون ؟!!
فانتفضا ونظرا خلفهما إلى مصدر الصوت فوجدا حسام ومن خلفه منى وهاني .

حسام بجدية:ما هذا يا دكتور ؟! كأن لا عملاً لديك !
إياد بإرتباك :أ.. أ… أ… لقد رفضوا دخولها لترى أمها وكانت تبكي فأدخلتها وظللت معها لتهدأ.
فسلمت منى على مريم ثم اقترب هاني وسلم عليها هو الآخر وقال مازحاً :إذن أنت مريم ؟!!
مريم:أجل ! حمداً لله علي سلامتك .
منى:لا تنزعجي !إنه عمك هاني كثير المزاح ، أتذكريه ؟!!
مريم:أجل أذكره.

هاني:نعم أحب المزاح خاصةً مع الفتيات الجميلات.
فضحكوا جميعهم إلا إياد الذي نظر لأبيه بإعتراض فزاد هاني ليكيد إبنه.
مني :كفاك يا هاني ! لقد نسيت أننا في غرفة العناية المركزة ؟!!
حسام:لا والله ! كأنكم قد تذكرتم فجأة ؟!! إني لأشعر أني بملاهي !
مريم:متى ستسترد أمي وعيها يا دكتور ؟

حسام:إطمأني يا إبنتي ! لقد تحسنت أوضاعها عن الأمس ويُنتظر إستعادة وعيها ربما اليوم.
مريم:يا رب.
حسام :أنت في الثانوية العامة أليس كذلك ؟
مريم :أجل وأتمنى أن ألتحق بكلية الطب.
حسام:عظييم ! إذن فمذاكرة من حديد ومكانك محفوظ ينتظرك هنا.
إياد:لكنها يا خالي تريد العمل في الطب الشرعي.

فقال حسام يريد أن يكيد بإياد:إمممممم ! ويا لحظ الجثث التي ستقوم بتشريحها بيديها الرائعتين تلك.
فزاد هاني:كأن القتيل لو علم أنها من ستتولي بتشريح جثته فإنه سيذهب للقاتل بقدميه بأسرع ما يكون.
فضحكوا ونظر إياد بينهما بغضبٍ شديد وغيرة ظاهرة فركله خاله في ساقه وفي نفس الوقت صفعه أبيه علي قفاه فصاح فجأة :آااااااااااه !

فإلتفتت إليه مريم قائلة :ماذا بك هل أنت بخير ؟!!
قالتها وهي تلتفت بأسلوب النجمات حيث إنسدل شعرها وإلتفت معها بشكلٍ مغري للغاية جعل إياد سيقع أرضاً من فرط تأثيرها عليه ناظراً نحوها فارغاً فاهه ببلاهة ويشعر كأنه في حلم و ود لو لمسها ليتأكد أنها حقيقة ،وتحولت نظرتها نحوه من دهشة إلى خجل قد ورّد خديها لتزداد جمالاً يتوه فيه إياد أكثر وأكثر، بينما قد شعرت بخطبٍ ما يزداد بداخلها يزيد من إنجذابٍ غريبٍ نحوه.

ثم عاد إياد لرشده وقال موجهاً كلامه لمريم: هل ستظلي واقفةٌ هكذا هنا ؟!!
فقالت بعدم فهم :أجل ، فماذا أفعل إذن ؟
فنظر إليه حسام وقال :أرى كفاك مضيعةً لوقتك وإذهب وإستكمل عملك أفضل.
وهنا سُمع أنيناً قادماً من ناحية ليلى فأسرعت مريم نحو أمها تحتضنها ففتحت ليلى عينيها قليلاً وابتسمت إبتسامة مرهقة.

مريم:أخيراً يا أمي ، أخيراً قد إستيقظتي ،لن أتركك أبداً وسأظل جوارك دائماً ، وسأحضر كتبي وأشياءي وأحضر وأرافقك في المشفى هنا.
فنظرت ليلى ناحية حسام كأنما تنتظر رأيه فاباسم وقال: حمداً لله علي سلامتك مدام ليلى ، هل تحبين مرافقتها لك هنا ؟!
فأغمضت ليلى جفنها توحي بأن نعم.
فقال حسام:إذن فلديّ شروطٍ لا نقاش فيها.

فهزت جفنها بأن نعم.
فقال حسام:سنعيد أولاً كل الفحوص و الأشعات لأن القديمة منذ أشهر وحتماً قد اختلفت النتائج ، ثانياً سنكمل باقي فحوصك ثم نحدد عدد ومدة وكيفية العلاج .
فتنهدت وهزت جفنها أن نعم.

فقال حسام :إذن هيا يا مريم إذهبي وأعدي أشياءك وكتبك لترافقي أمك ،وتجيئ في الغد لتكون قد نُقلت من العناية إلي غرفةٍ عادية ، لكن ذلك قبل جلسات العلاج فبعد ذلك ممنوع الزيارة والمرافقة.
فهزت مريم رأسها بأن نعم وجاءت الممرضة بناءً على أمرٍ من حسام وأملي عليها كل التعليمات وما ستفعله وجعل إياد مشرفاً عليها.

ثم اقتربت منى تعانق صديقتها عِشرة العمر فرحة بإستعادة وعيها وفرحتها الأكبر بموافقتها والسماح بالعلاج فقالت :حمداً لله على سلامتك عزيزتي ، كأنك تسعدي بقلقنا وإحتراقنا خوفاً عليكي.
فتدخل هاني قائلاً بمزاح :لا عليك يا ليلى ! فأنت تقلقيها وأنا عليّ الحنان والدلال.
وطوّق خصر زوجته بذراعه وغمز لها فقالت محذرة:هااااني !

فقال إياد :ماذا يا أبي ؟!! لقد تركت لكما البيت فتتركاه وتجيئان إلى هنا ، عودا وحدكما قبل عودتي.
فقال هاني وهو يركل ساق إبنه :كأني سمعت شيئاً ما ؟!
حسام :كفاكم ! أكملوا عبثكم هذا في مكان آخر لقد سأمت منكم المريضة ، هيا اخرجوا جميعاً.
وخرج الجميع و إستعدت منى لتصحب مريم معها لكنها وقفت تتحدث إلى حسام كطبيبٍ معالج.
مريم :لماذا يا دكتور لا يمكنني البقاء مع أمي في فترة العلاج ؟ إنها ستتعب أكثر وستحتاجني حتماً.

حسام:أولاً العزل من تعليمات العلاج ، ثم إن هناك أشياء عليكِ فهمها وإدراكها جيداً ، إن شدة الوجع تغيّر من شخصية المريض لدرجة كبيرة خاصةً مع العلاج الكيميائي يغير شخصية المريض تماماً كأنك لا تعرفيه وتزداد حساسيته لأعلى درجة فلا يطيق ما كان يتقبله من قبل ولا يقوى على الصبر والإحتمال من تصرفات الآخرين الذين عليهم معرفة كيف يتم إحتواء المريض بلا ملل ولا يأس ولا منّ أو شفقة لأن الحالة النفسية تتأثر بأسرع ما يكون فتؤثر بالسلب على خطة العلاج وأكثر ما يؤثر على المريض هو سقوط شعره وتغيّر هيئته ، بالإضافة إلى مناعة الجسد التي تختفي تماماً فيُخشى على المريض حتى من الهواء الطلق ، لذلك من يقترب من حياة المريض يجب خضوعه لشروط وتعليماتٍ محددة ويراعى كل تفصيلة والصغيرة قبل الكبيرة.

مريم:حسناً سأفعل كل ما يُطلب مني ، لكن ماذا لو أراد محمد أخي المجيء لزيارة أمي ؟!
حسام:حسناً فليجيء ، لكن فليقابلني أولاً.

فهزت مريم برأسها أن نعم بتفهم وإنصرفت متجهة لتذهب مع منى وهاني والذي لم ينتهي بعد من مزاحه معها ولازال إياد غاضباً ويتابعهم بحنقٍ وضيقٍ كبير ، إنصرفت مريم معهم وقد سعدت كثيراً بمزحاته معها فقد رأت فيه الأب الذي تفتقده ، وهو قد أُعجب بها كثيراً وقد إرتاح لها لكن تتبقى مشكلة حداثة سنها ، لكن على أية حال لن يسبق الأحداث.
أما إياد فقد كان شارداً طوال عمله وقد إنتبه إليه حسام فإستدعاه في مكتبه فذهب إليه وطرق الباب ودخل.
حسام:وماذا بعد يا إياد ؟!!

إياد:كل شيءٍ على ما يرام.
حسام:أتمنى أن تنتبه لنفسك ولعملك أكثر من ذلك ، ولا تنسى أنك تتطلع لطفلة صغيرة لا يصح ما تفعله إتجاهها ذلك.
إياد :أقسم لك يا خالي أني لم أريد بها سوءً ولا تلاعب بمشاعرها أو على سبيل التسلية فهذا ليس من طباعي ولا أخلاقي كما تعلم ، لكن والله لا أدري ماذا حدث لي بسببها ؟!! لم أتعرض لمثل ذلك الموقف من قبل ولم أشعر بمثل ذلك الإحساس الجارف من قبل.

حسام:إذن لتحكّم عقلك وتنتبه لنفسك ومستقبلك وتلتفت لرسالتك التي على وشك مناقشتها قريباً ، وابدأ حياتك وأخطو فيها بخطواتٍ ثابتة ، ثم بعد ذلك ربما تتقابلا في نقطةٍ ما ، لكن بعد تفكير وفهم ونضج منكما ، الأمر ليس فقط مجرد أحاسيس ومشاعر… أتمنى أن تكون الرسالة وصلت.

فهز برأسه أن نعم ثم انصرف حزيناً بائساً لكنه يعلم أنه محق ، فهو مجرد شاب حديث التخرج لم يخطو أي خطوة في حياته بعد ، عليه أولاً الوقوف على أرض صلبة والتأكد من كل شيء من مشاعره ومشاعرها أيضاً بلا تسرعٍ ولا تعجّل.
عادت مريم لبيت جدتها بعد أن أعدت حقيبة بأشياء أمها ثم بدأت تعد أخرى لأشياءها وكتبها لتمكث برفقة أمها بالمستشفي.

وفجأة جاء أخيها وقد دخل عليها ورأى ما تفعل وتفاجأ به.
محمد:ما هذا ؟ ماالذي تفعليه؟!!!
مريم:لقد إستعادت أمي وعيها ، وتذهب في الغد لغرفة عادية ويمكنني المكوث معها أرافقها حتى بداية جلسات العلاج لأن بعدها ستُمنع الزيارة.

ثم قالت بهدوء ورجاء: ألم تجيء معي توصلني وتراها أيضاً؟
فترقرقت عيناه بالدمع وقال:بالتأكيد سأحضر معك لأراها.
وللحديث بقية،

بواسطة
بقلم نهال عبد الواحد
الوسوم

أبو إسلام الخطيب

مهتم بالشأن العربي ويتم ترجمة المقالت من وجهة نظر الغرب الي اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق