قصص وروايات

رواية قبل نهاية الطريق (كاملة)

“وَ لَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَ الجُوعِ وَ نَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَ الأَنفُسِ وَ الثَّمَرَاتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الذِّينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ “

اختلفت أحكامنا حول البلاء وكلٌ منا يفسر علي هواه فمنا من قال تكفير سيئات ومنا من قال بل هو إنتقام إلهي…….
لكن قصص البلاء رغم كثرتها وتنوعها وحكمتها الغيبية لكن غالباً ما تكون الحكمة في رحلة البلاء ، كيف تتغير نفسك ويتغير الآخرون ؟!!
من يؤازرك ، ومن يتخلى عنك ، ومن يظهر من جديد في حياتك ليعيد بناءها حتهي لو جاء في آخرها………  قبل نهاية الطريق.

في بداية الثمانينات كان الحاج سيد المهدي أحد العطّارين المعروفين في وسط البلد ولديه محل كبير و يمتهن تلك المهنة بكل أسرارها من وصفات طبيعية وطبٍ بديل أباً عن جَدٍّ وكان له ولدان.

الإبن الأكبر محمد وهو بمثابة ذراعه الأيمن في عمل العطارة وهو من استلم الراية من أبيه كما عهدت تلك العائلة من زمن أن يتوارث المهنة أحد الأبناء ويتشرّبها حتى النخاع ويظل فيها حتى يسلمها لأحد أبناءه.
وكان محمد من تشرّب تلك المهنة وأسرارها وسيكون المسؤول من بعد أبيه.

الإبن الأصغر أحمد وهو طبيب لا علاقة له بالعطارة ولا بمهنة أبيه لكنه محبوب بطبيعته وأبيه وأخيه يحبها بشدة حتى أن محمد بعد أن رزق بولدٍ سمّاه أحمد على اسم أبيه.
وكان الأخوان يتشابهان في الخلقة والملامح مع أبيهما من حيث اللون القمحي المائل للسمرة والشعر الأسود القصير والقامة المتوسطة ، إلا أن الأب و محمد أكثر بدانة من أحمد كما أن الأب له الكثير من الخصل البيضاء وسط شعره وله لحية خفيفة بيضاء.

اتسم أحمد بطيبته وحنانه الزائد وخفة ظله فكان المرضي يعشقونه ، وما أحلى يومهم إن مر عليهم دكتور أحمد المهدي ! فرقته وخفة ظله تلك تشعر المرضى بالشفاء من قبل أن يتناولون حتى الدواء خاصةً مع الأطفال وكبار السن.

لم يكن أحمد قد تزوج ولا خطب رغم إلحاح والده وأخيه لكنه عاشقٌ متيم لإبنة منطقته في بيتٍ أمامهم.
إنها هيام وهي فعلاً هيامه ، لقد ولدت أمام عينيه وقد تابع كل مراحل عمرها فهي بالنسبة إليه كتاباً مفتوحاً فيعلم كل صغيرة وكبيرة عنها .
وهي أيضاً منذ نعومة أظافرها تفتحت عيناها للدنيا ولا ترى فيها سوى أحمد .

في طفولتها عندما كانت تخرج لشراء مشتريات للمنزل كان يسرع ويحملها عنها وعندما كان يعترض طريقها الصبية أو حتى عندما تري كلباً كانت تسرع والاختباء خلفه ، فقد رأته سندها وحماها حتى في الطفولة.
وعندما بلغت هيام مبلغ النساء وقد تفنن ( خرّاط البنات )في خرطها ، فماذا يقال عن عيونها السوداء أم خديها المتوردين طبيعياً أم شفتيها الكرزتين المرسومتان أم شعرها البني الداكن هذا بطوله و نعومته فلا تعلم لصالونات التجميل طريق أم قوامها المتناسق.

ربما في تلك المرحلة إختفت العلاقات المباشرة بينهما لتتحول لمجرد نظرات خاطفة عن بعد ، وحبيبة تنتظره كل يوم في نافذة غرفتها لتطمئن عليه أنه قد وصل بسلام وكان يراها يومياً وهي تنتظره بابتسامتها الخفية الممزوجة بحيائها التي لا يعي لها غيره.

كان يجدها في أي وقت من النهار أو الليل أو الصباح الباكر فكانت تحفظ مواعيده عن ظهر قلب ، وكانت كل سعادتها تكمن في أن تراه حتى ولو عن بعد هكذا وتطمئن على وصوله ، أما هو فكانت سعادته عندما يعود متعباً ويجدها تنتظره حتى في أسوأ أحوال الطقس في ليالي الشتاء.

كانت هيام تدرس بكلية التجارة وكان لها صديقة تذهب وتروح معها وذات يوم قد تغيبت تلك الصديقة فكانت هيام بمفردها ، وبعد إنتهاء يومها همت بالعودة لمنزلها لكن خطرت لها فكرة مجنونة.
سارت هيام حتى شاطيء البحر ثم جلست على الرمال تجذب تنورتها التي تصل ركبتيها حتى لا يرفعها الهواء فيكفي مداعبة خصلات شعرها المتطايرة هكذا.

كانت جالسة تنظر للبحر وتغمض عينيها وتستنشق عبير اليود الذي يدخل في الأعماق فيشعر بالانتعاش وراحة وكأن هواء البحر يطيّر الهموم من القلوب.. بل هي حقيقة.
وكان معها رفيقها وهو جهاز راديو صغير فأخرجته من حقيبة يدها وإدارته لتكتمل سمفونية المتعة والراحة ولتري ماذا سيُسمعها تلك اللحظة.

وإذا بصوت ليلي مراد تغني للبحر : بحب اتنين سوا يا هنايا في حبهم.. المية والهوا…….
وتغمض عينيها بإبتسامة رقيقة وهي تردد خلفها وتتخيل ذلك المشهد من الفيلم حيث تجلس ليلى مراد على تلك الصخرة العالية في شاطئ الغرام مرسى مطروح ويجيها حسين صدقي فيرفرف قلبها ، وكأنها مكان ليلى مراد و تنتظر من هو محل حسين صدقي….. نعم أحمد… وقد كان…..

وإذا بصوت يأتي من خلفها تعرفه جيداً وقد طرب له قلبها أكثر حتى من صوت ليلى مراد ، لم ينتفض قلبها له فقط بل انتفضت معه كل أوصالها.
أحمد:ما أجمل المية والهوا !
فتلتفت نحو مصدر الصوت بنفس ابتسامتها الرقيقة تلك الرعشة التي تسري في جسدها ، تلفتت والتفت معها خصلات شعرها فتقول بصوت مبحوح :أحمد !

فيهز برأسه أن نعم وعلى وجهه ابتسامته المعهودة ثم يجلس جوارها أرضاً فوق الرمال ويقول: لماذا تجلسين وحدك يا جميلتي ؟
هيام :أشم الهواء.
أحمد:يالحظ الهواء الذي تشميه ! ويا لحظ حروف إسمي التي تنطقها شفتيك !
هيام بإستحياء :أحمد !
أحمد:إن نطقتي أحمد هكذا مرة أخرى سينتهي أحمد ويتوقف قلبه.
هيام:لا تقل هذا الكلام ، ربي يبعد عنك كل سوء.

أحمد:تخافين عليّ ؟!!
هيام:على من أخاف إذن ؟!!
أحمد :هيام !
هيام :هه !
أحمد :أحبك  !

فاضطربت هيام بشدة وتزايدت حركات تنفسها ودقات قلبها كأنما كانت تركض من مسافة بعيدة.
فتابع أحمد : أخيراً بعد كل هذا العمر تجرأت وقولتها ، لم أحب غيرك ، بل لم أرى غيرك ، وكيف ذلك وأنت من ولدتي أمام عيني ورأيت كل أيام عمرك ، وكأن منذ يوم مولدك قد غُرست نبتة حبك في قلبي وعام بعد عام وتلك النبتة تكبر أكثر وأكثر حتى صارت شجرة يافعة ، فقد حان الوقت لجني ثمارها… ثمار حبنا ، أود أن أحضر أهلي وأجيء أتقدم خاطباً ، كفانا صبر وانتظار ، آن الأوان أن تكتبي على إسمي بحق وبشهادة الجميع ، وأضع ما ألجِّم به الآخرين أن ممنوع الإقتراب إنها حبيبتي.. إنها لي.. إنها ملكٌ أحمد المهدي، آن أوان اللقاء لنمضي ونكمل حياتنا معاً…فهل تقبليني زوجاً؟

فابتسمت ابتسامة مشرقة لكنها لم تقوى على الرد وقد تورد وجهها بحمرة الخجل ، وبعد قليل هزت برأسه أن نعم وهي تنظر أرضاً.

فأمسك أحمد بيدها ونظر بداخل عينيها والهواء يقذف بشعرها نحوه وقال: أعدك حبيبتي ألا أغضبك أبداً ، أعدك بكل لحظة سعادة في عمرنا ، سنكتب ذكرياتنا في كل مكان ، وكل مكان حولنا أو سنمر عليه يوماً سيشهد على حبنا ، أحبك يا قلبي.. يا روحي.. يا كل عمري.

وقرّب يدها نحوه وقبّل يدها ، فارتعشت وسحبتها منه ولازالت إبتسامة خجلها تزين وجهها.
وللحديث بقية،

بواسطة
بقلم نهال عبد الواحد
الوسوم

أبو إسلام الخطيب

مهتم بالشأن العربي ويتم ترجمة المقالت من وجهة نظر الغرب الي اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق