قصص وروايات

رواية أحببت أعمى (الجزء الثاني)

انطفأ غضب ريان المفاجئ في صمت رهيب ؛ لكن قبضة يده تشنجت كأنه
يقبض على خنجر غير موجود وكان غضبه ظاهرا في هذه الغرفة الساكنة؛
وتسألت نور هل تجرأ أحدا من قبل أن يكلم هذا الرجل المتزمت بهذه
اللهجة القاسية .

انتظرت وهي ترتجف خجولة وخائفة حتى من الهرب من الغرفة ؛ استدار ريان نحوها وبلطف غير معقول اعتذر منها قائلا
: انت على حق يا أنسة ؛ لقد أصبحت صعبآ ولا أُطاق ؛ لست وحدك تفكرين
بهذا ؛ انني افقد ضبط النفس بسهولة ولا أعرف كيف أتخلص من هذا
الاحساس ..

رفعت نور حاجبيها بدهشة عندما سمعته يسألها بلهجة رقيقة : هل يمكنك مساعدتي ؟
لاشك انه لاحظ استغرابها ؛ فغير لهجة صوته وأدخل بعض السخرية
قائلا: هيا يا أنسة ؛ انا أثق انك لن تخذلي والدك وترفضي مساعدة رجلا
بائسآ ….
ارتسمت صورة وجه والدها القلق فجأة أمام عينيها وابتلعت
كلمة الرفض التي كانت ستنطلق من شفتيها وقالت في نفسها : انه بلاشك ذكي لانه كان يعرف انها اذا رفضت فانها بذلك تكون قد أذت والدها اكثر من ايذائه

وسألته : وكيف يمكنني مساعدتك سيدي ؟ هناك أشخاص مختصون
ومؤهلون اكثر مني تحت تصرفك ؛ لماذا لاتسمح لهم بمساعدتك ؟

*******************
ركز ريان على صوتها وتقدم اليها وتوقف على بعد خطوة منها وكانت
عينيه تنظر اليها نظرة قوية كأنه يريد ان يراها ؛ فاحمرت خدودها

خجلا ولكن حين رأت الندبات البيضاء حول حاجبيه دليل على عملية جراحية جديدة _ حينئذ أدركت انه لا يراها …..
قال بصوت قاسي : لماذا أختارك أنت بالذات ؟ منذ الحادث الذي تعرضت له كنت انت الانسانة الوحيدة التي تجرأت وبينت لي وجها لوجه كل أخطائي ؛ منذ ثلاث سنوات والجميع يكذبون علي باستمرار

ولكنك بهذه الصراحة التي لديك جعلتيني اشعر كأن نسمة ربيع منعشة اخترقتني ولهذا السبب لا أنوي ان أخسرك ؛ عليك اذآ ان تسمعي ما أطلبه منك ؛ وإلا سأرفض اجراء عملية أخرى ؛ ماهو ردك على كل ذلك ؛ هل توافقين ؟
شعرت نور بدهشة كبرى عندما وافق بكل بساطة على إجراء العملية مرة أخرى ؛_ ذلك الأمر الذي عجز عنه والدها وعجز عنه الطبيب جواد عبد الفتاح … استطاعت هي من إقناعه دون القيام بمجهود يُذكر … فقط عنفته … ضحكت بداخلها من تصريفات القدر وقالت بهمس : انا اوافق على تهديدك سيد ريان ؛ هل لدي أي خيار آخر ؟

هز كتفيه واستدار عائدا الي النافذة وهو يرد بلهجة متوترة : كلا_ ليس لديك خيار آخر
وكأنه فجأة تعب من وجودها قال :
والآن اذهبي أريد ان أرتاح _لكن عودي غدآ لتناول طعام الغداء معي
غضبت نور أمام عدم حياءه وخرجت من الغرفة وتمكنت بصعوبة
من عدم صفق الباب ورائها
أظهر جراح العيون الشهير جواد عبد الفتاح تعجبه من هذا التغيير المفاجئ الذي طرأ فجأة على مريضه
واقتنعت ديالا أن أختها حققت المستحيل حيث بدأ ريان بالخروج بدلا من البقاء بغرفته معظم اليوم ؛ كما قام برحلات صغيرة مع نور

وكان الطبيب عبد الرحمن والد نور غير قادرعلى التعبير بإحساسه
وكيف يستطيع ان يمدح ابنته ؟
**************************
كانت زهرة هي الوحيدة التي تعلم بالجهود التي تبذلها نور ؛ وففي احدى الايام كانت نور تستعد للقيام برحلة جديدة فقالت لها :
نور ياحبيبتي ؛ يبدو عليك الارهاق والتعب ؛ لماذا لاترتاحين اليوم ؟ سأتصل بالمشفى واخبرهم انك غير قادرة على اصطحاب السيد ريان في جولة اليوم لأنك متعبة .

أغمضت نور عينيها للحظة وقالت بصوت هادئ نسبيا: لست متعبة ابدا يا أمي أرجوك لا تشغلي بالك ؛ وإن لم اذهب اليوم فإن ريان لن يكون مرتاحا ؛ انه يحب النزهات ولا أريد أن أخيب أمله أليس كذلك ؟..
واستدارت حتى تداري
دمعة كادت تسقط من عينيها ؛ فأن الجميع يراه الآن رجلآ لطيفآ ولكن هي الوحيدة التي تتلقى كل الهجمات عندما ييأس ؛ في البداية كانت ترد الضربة بمثلها ؛ لكن هذا التصرف كان يزيد من غضبه ؛ ولكنها الان تصمت حتى تنتهي الازمة؛. ومن جانبه كان أحيانآ لطيفآ . اكتشفت نور أنها تحبه وأنها لا تستطيع العيش بدونه ..

مسحت دموعها والتفتت الى والدتها قائلة: يا أمي ؛ إن الطبيب جواد يأمل أن يجري العملية لعيني ريان في الاسبوع المقبل ؛ وبعدها لن يعود في حاجة الي . سيعود الى موطنه متى استعاد بصره وسينساني للابد !
انتفض قلبها بقوة ولكنها اضطرت لمتابعة الحديث قائلة :
بعد اسابيع قليلة تعود الحياة لمجراها وسأجد الوقت الكافي للراحة ؛ لكن مادام ريان بحاجة الي علي أن أبقى معه؛ هل انتي موافقة ؟

ربتت امها على يدها وقالت :عظيم لن أزيد كلمة واحدة… لكن تذكري ان سعادتك وراحتك اهم شئ لي ولوالدك واننا موافقون على كل شئ يسعدك
ابتسمت نور وعانقت والدتها بقوة وفالت : لدي افضل أم وأب بالعالم
********************
وصلت سيارة الطبيب جواد وبداخلها ريان ؛ تناولت نور
حقيبتها واسرعت نحو السيارة وما ان رأته عرفت ان نزهة اليوم سوف تكون ممتعة فقد كان يبتسم ابتسامة عذبة جعلت قلبها يخفق بشدة ؛

صعدت الى السيارة وسمعته يسألها : هل انت حاضرة ؟
أجابته سريعا : نعم يا ريان … الى أين ستأخذنا اليوم ؟
ابتسم وقال بحماس أشعرها بالارتياح : يوجد سباق خيل في حديقة قريبة من هنا ؛ ما رأيك ؟
كانت هذه المرة الاولى الذي يسألها عن شئ وأجابت عليه
لا باس ؛ فكرة جيدة … هل انت تحب السباقات ؟

أومأ برأسه بقوة قائلا :: نعم وخصوصآ سباق الخيل انه السباق المفضل لدي…..
كان الجو رائعآ وريان بابتسامته جعله أروع … اختارا مكان هادئ
لأنه لا يحب الازدحام .
كانت نور لاتعرف شيئآ عن سباق الخيل ولكنها حاولت ان تصف له كل ما تراه بدقة .
تحمس ريان قائلآ : حقا انت مذهلة يا نور …لقد وصفتي السباق بطريقة جعلتني كأنني أراه ؛ لقد استمتعت كثيرآ شكرآ لكي .

وعلى غرة منها أمسك ريان بيدها وطبع قبلة رقيقة جعلتها ترتجف فقال ساخرآ: ماذا بك هل انت مريضة ؟!
ردت وهي تحاول تغيير الموضوع : ألن تأكل … لقد جعت
***************
سألته نور في تردد : أين يقع منزلك ريان ؟
ظهرت تجعيدة خفيفة على جبينه وأجاب : في القاهرة .

توقف قليللآ أطرق فيها براسه ثم أضاف : لدي شركة كبيرة هناك تعتبر من رواد صناعة العطور في العالم العربي ؛ فنحن نستخدم كل انواع الازهار متل الورد والكاميليا وزهور الصفصاف والسوسن والبنفسج والياسمين والقرنفل ؛ كما أننا نستورد زهور الميموزا والجيرانيوم ونقوم بخلطهم بمنتجاتنا ؛ حتى أصبحنا الشركة الوحيدة التي تمزج الخلوط الشرقية بالغربية وهذا ما ساعد في إرتقاء عطورنا
قالت نور ضاحكة : كفى يا ريان ؛ لم يعد عقلي يستوعب أكثر ! كم كنت سعيدآ لرؤية هذا الجمال .لاشك انك ترغب برؤيته من جديد..

وما ان نطقت بهذا الكلام حتى عضت على شفتيها وندمت لما قالته فوضعت يدها على
يديه وقالت : سوف ترى من جديد يا ريان بإذن الله ؛ سوف يقوم الطبيب
جواد بالعملية في الاسبوع المقبل و ….
أبعد يدها بعنف وقاطعها قائلاً :

يا الهي لا تشفقي علي يا نور لن أتحمل ذلك ؟ ألا يكفي أنني تحملت
ستة محاولات فاشلة من قبل ؛ لا تخافي من الندبات حول عيناي انها
تخف مع الايام ولكن ما يغضبني الشفقة والوعود الكاذبة ….

انفجرت نور في البكاء فهي غير قادرة أن تتصور ما سيفعله ريان
اذا عرف أن الأمل من شفائه ضئيل وأنه ربما يبقى ضريرآ طوال حياته ؟!

…… يتبع ….

هل سيبقى ريان في الظلام طوال حياته ؟
أم ستنجح العملية ليعود النور لعينيه ؟

بواسطة
ماجدة عبد الفتاح
الوسوم

أبو إسلام الخطيب

مهتم بالشأن العربي ويتم ترجمة المقالت من وجهة نظر الغرب الي اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق