قصص وروايات

رواية أحببت أعمى (كاملة)

في احدى ايام شهر مارس توقفت سيارة أجرة أمام احدى المنازل باحدى ضواحي لندن
ونزلت منه فتاة في العشرين من عمرها كانت ترتدي فستانا وردي اللون وكانت تبدو جميلة للغاية بعينيها العسلتين وشعرها المنسدل على كتفيها كانت تبدو كالاميرات .شكرت السائق وتوجهت الى داخل المنزل قائلة : لقد وصلت نور هذا البيت .

تجولت بنظرها في أنحاء المنزل ونادت : أمي أبي ؛ أين أنتما ؟   

ظهرت امرأة في الاربعين من عمرها قائلة : إصمتي يافتاة و كفي عن الصراخ ..
ضحكت نور وقالت وهي تسرع إليها لتعانقها : امي الحبيبة … لقد افتقدك كثيرا
ابتسمت زهرة وسمعت نور تردف : آسفة امي ؛ لقد تأخرت اليوم لان احدى زميلاتي بالجامعة مرضت فجأة وأوصلتها الى بيتها في طريقي .

سألتها زهرة بتوجس : وهل أصبحت جيدة الان ؟
أومأت نور برأسها وهي تغمغم : نعم صارت أفضل والحمد لله ؛ مهلا اين أبي ؛ ألم يأتي بعد ؟
هزت زهرة رأسها نفيا قائلة : كلا سوف يتأخر اليوم ؛ هناك مشكلة مع إحدى مرضاه
غمغمت نور بقلق : أتمنى الا تؤثر هذه المشكلة به !

أجابتها والدتها متسائلة بقلق مماثل : ألا تعلمين والدك ؟!
نظروا لبعضهما بتوتر فهما يعرفان عبد الرحمن جيدًا وقلبه الرقيق الذي يتأثر كثيرا بمشاكل مرضاه
……………………

بعد مرور ثلاث ساعات وصل الاب الى المنزل فاستقبلته نور بابتسامة قائلة : لقد وصل الطبيب عبد الرحمن محمود
ثم انطلقت نحوه وطبعت قبلة على وجنتيه وقالت : لما هذا التأخير ؟

احتج عليها بحزن : هششش نور؛ لست في مزاج جيد  لمزاحك…
هتفت بيأس : لماذا أبي العزيز ؛ ما الخطب ؟

رفع إليها عينين حزينتين للغاية وهو يقول بأسى : احدى المرضى بالمشفى حالته ميئوس منها
شهقت نور قائلة : هل سيموت ؟
فزع عبد الرحمن واكفهر وجهه وهو يقول : كلا لقد بصره في حادث .
تنهدت نور بارتياح وتساءلت ب حيرة : اذاً ما المشكلة ؟

سار عبد الرحمن نحو الأريكة القريبة منه لينهار جالسا فوقها وأخذ يشرح لها : العين اليمنى لديها تمزق في القرنية وهذه ليست مشكلة ؛ العين اليسرى متلفة كليا ولم نجد لها علاج حتى الان ؛ ولكن طب العيون في تقدم كل يوم .
غلغلت نور أصابعها في شعرها وتساءلت ب حيرة : مازلت لم أفهم أين المشكلة ؟

شرد والدها بعيدا واجابها : المشكلة في المريض نفسه ؛ إنه لايوافق على اجراء العملية ؛ انه غاضب .. مستنكر … كئيب ؛ إنه وحش في هيئة إنسان مع ان الطبيب الذي يتابع حالته واحد من أمهر الاطباء في هذا المجال وله انجازاته.
” من هو الطبيب ؛ وهل اعرفه ؟ “
أجاب عبد الرحمن على سؤالها قائلا : نعم إنه الطبيب جواد عبد الفتاح
صاحت نور بحماس : الطبيب جواد ؛ رائع … لايوجد مشكلة اذآ

” بلى يوجد ؛ لقد أخبرتك أنه لايوافق على اجراء العملية
قبضت جبينها بقلق وهي تسأله : وانت ؛ ألم تتحدث معه بعد ؟
أجابها بحزن كبير : بلا فعلت ولكني لم أنجح ؛ انني أحاول منذ أسبوعين ولكنني فشلت ؛ وهذه المرة الأولي التي أعجز فيها عن مساعدة إحدى مرضاي
هنا دخلت زهرة وقالت تواسيه : هيا يا عبد الرحمن ؛ لقد حاولت ما بوسعك ؛لا تيأس سيكون هناك حل بالتأكيد
تنهد بقوة وهو يقول بأمل : أتمنى ذلك

اقتربت منه زهرة لتتأبط ذراعه وقالت بهدوء : هيا إذاً ؛ لقد جهزت المائدة

جلسوا حول المائدة في صمت على غير العادة وكان الجو متوتر .
فكرت نور في نفسها : يا إلهي إن أبي حزين للغاية كيف أستطيع مساعدته ؟!

وفجأة لمعت عينا عبد الرحمن وهو ينظرإلى إبنته : لقد وجدت الحل ؛ أنتِ يا نور ؛ أنتِ من يستطيع انقاذ هذا الرجل ؟

سألته باستغراب : أنا ، كيف ؟
أومأ برأسه وقال بحماس : نعم بنيتي …  أنت من سيحاول اقناعه … انتِ لديك القدرة على هذا العمل لا أحد غيرك ………
قاطعته زهرة مستنكرة : ماذا تقول يا عبد الرحمن ؛ كيف تستطيع ان تضع ابنتك في مواجهة مع هذا الوحش ؟! انت لم تستطيع اقناعه وهذا عملك ؛ كيف تستطيع نور فعل ذلك ؟

أصر عبد الرحمن قائلاً : أنا واثق انها تستطيع ؛ كما انه مجرد مريض وليس وحش ……..
احتجت زهرة عليه قائلة : بلى أنه وحش في صورة انسان وانت من أخبرتنا بذلك ….
كانت نور تنظر اليهما وهما يتجادلان ؛ كما أنها رأت خوف والدتها عليها . ورأت ايضآ يأس والدها وأمله فيها .
وهنا ارتفع صوتها لتنهي هذا الجدال بينهما قائلة وهي مترددة : أنا موافقة يا أبي

وكأنها فجرت قنبلة … اتسعت عيون والديها غير مصدقين وران عليهم صمت ثقيل من أثر المفاجأة قطعته زهرة قائلة بقلق
نور !!! ماذا فعلت بنفسك بنيتي و كيف وافقت ؟
أشار عبد الرحمن إلى صدره وقال بفخر : هذه هي ابنتي نور ؛ لا تستطيع ان ترى شخصا ما بحاجة الى مساعدة وتتركه يعاني

كانت نور تشعر بالقلق بالفعل ولكنها أجبرت نفسها على الهدوء قائلة : اطمئني يا أمي … وثقي بي … انا اعرف ماذا أفعل
قالت زهرة يائسة : ولكني خائفة عليك من هذا الوحش حبيبتي !

تنهدت نور وقالت بلهجة مطمئنة : هيا يا أمي انه لن يستطيع ايذائي وانتِ تعلمين جيدا ما بامكاني فعله ؛ ثم إنه مجرد رجل بائس وحزين وليس وحش كاسر كما تفكرين !
زفرت زهرة بتوتر وقالت باستسلام : اذآ لن أستطيع فعل شئ ؛ لقد قررت واعلم انك لن تتراجعي حتى تكملين مهمتك !

ابتسمت نور وارتمت على كتف والدتها وهي تقول : تعرفيني جيدا ؛ شكرا لثقتك بي واعدكم بأنني سأبذل قصارى جهدي .
التفتت نور الى والدها متسائلة : أظنني يجب ان أعرف اسم المريض الجديد
أجابها والدها : ريان صبحي زهران
…………………………….
في الصباح توجهت نور الى المشفى التي يعمل بها والدها ؛ وتوجهت مباشرة الى غرفة الممرضات ؛ سالت عن أختها في الرضاعة الممرضة ديالا .. اخبروها انها في الغرفة 113

انتظرت نور قليلا حتى أتت ديالا التي قالت فور رؤيتها : نور ؛ يالها من مفاجأة ؛ لماذا انت هنا اليوم ؟ اليس لديك جامعة ؟
عانقتها نور وهي تقول : بلى أختي الغالية ؛ ولكني سأرى مريض لديكم هنا .

هزت ديالا رأسها بقوة وقالت متزمتة : انت دائمآ تعذبين نفسك بمشاكل المرضى يا نور ؛ كان يجب عليك دراسة الطب منذ البداية ؛ أخبريني من هو سعيد الحظ هذه المرة ؟
اقتربت منها نور وهي تقول هامسة وكأنه سر خطير : المريض الجديد صاحب الغرفة 120
ابتعدت عنها ديالا وفغرت فمها وهي تصيح بقوة : ماذا ؟ أتقصدين ريان صبحي زهران … الرجل الناري !
سألتها نور ضاحكة : هل تسمينه هكذا ؟

امتقع وجه ديالا وهي تجيبها : ياعزيزتي ؛ لقد حاولت كل ممرضات القسم ان تتكلم معه فقط ؛ لكنه غضوب ، شرس * كئيب ** مزعج ** رائع * كلنا لا نجد صفة واحدة تصف هذا الرجل ؛ لكننا متفقون انه رجل لا يطاق

شعرت نور بالاستسلام ولكن سرعان ما تذكرت وجه أبيها اليائس فقالت
هيا ديالا انه مجرد مريض ولقد وعدت والدي ؛ في اي وقت تنصحيني برؤيته

أجابتها ديالا بيأس : حسنآ مادمت مصممة ؛ هل انت جاهزة الآن ؟ انه بمفرده منذ ساعتين ولا بد من انه سئم البقاء بمفرده ومستعد للقاء أي شخص .
قالت نور بتوتر : بهذه السرعة ، حسنآ لابأس هيا بنا

توجها الى الغرفة 120 وعند باب الغرفة تركتها ديالا قائلة : الى هنا تنتهي مهمتي أتمنى لكي التوفيق .

امسكت نور بذراعها قبل أن ترحل وسألتها بقلق ووجه ممتقع مما ستواجهه بعد قليل : ألن تدخلي معي ؟!
صاحت ديالا بفزع : أنا مستحيل ؛ هذا الشخص لا يدخل حجرته أي شخص سوى والدك والطبيب جواد عبد الفتاح فقط !

فرت هاربة قبل أن تنطق نور بكلمة أخري مما زاد من توترها ، تصلبت نور استعدادا للمعركة ؛ ثم طرقت الباب لتسمع صوتا قويا عنيفآ وآمرآ يقول
( أدخل)
فتحت باب الغرفة وتسمرت مكانها قليلا وبثلاث خطوات مترددة وصلت الى منتصف الغرفة ؛ تجولت بنظرها في الغرفة لتجد رجلآ أمام النافذة **

 قفز قلب نور قبل ان ينبض بسرعة كبيرة ؛ 
انه رجلآ بمعنى الكلمة له وجه مستدير وأنفه مستقيم وذقن بارز وهذه علامات العناد ؛ عيناه اللعسليتين التي تعيشان الظلام تتألق كألف شمس في السماء …….. ارتجف ريان كأنه يشعر باقتراب الخطر والتطفل فقال بصوت نافذ الصبر : من أنت ؟ وماذا تريد ؟

شعرت نور بالرأفة عندما تذكرت انه أعمى ؛ ردت بحزم :
أنا نور …. نور عبد الرحمن محمود

وبمجرد أن لفظت إسمها أسرع ريان نحوها وكأنه ينوي أن يفتك بها وبعينين كالرعد وجه نظراته إليها وقاطعها بقسوة قائلا : اذآ انتِ ابنة هذا الطبيب ؛ هل والدك لا يسمع أم أنه لا يفهم ؛

صٌعقت نور تماماً من ردة فعله العنيفة واتسعت عيناها بهلع وهو يستطرد كبركان ثائر : لقد أفهمته بصورة واضحة أن وجوده غير ضروري ؛ ولا اعرف لماذا أرسل لي ابنته ؟!

امتقع وجهها لأنها لم تتوقع هذا الهجوم العنيف بينما سمعته يقول من بين أسنانه : آه ؛ ربما كان يريد ان تساعديني في تعلم كتابة البريل ( كتابة مخصوص للعميان ) أو ان تكوني بدل عكازي …

سخر منها ومن أبيها بما فيه الكفاية فأخذت تهاجمه كما تهاجم القطة من يقترب من صغارها قائلة بعنف مماثل له : أرى يا سيد ريان أن طريقتك في الشفقة على نفسك طريقة ممقوتة وشنيعة ؛ إنني لا أستغرب أنهم يتركونك وحدك مع أفكارك المنحرفة السخيفة وغضبك الطفولي !
….. يتبع ……

بواسطة
ماجدة عبد الفتاح
الوسوم

أبو إسلام الخطيب

مهتم بالشأن العربي ويتم ترجمة المقالت من وجهة نظر الغرب الي اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق