قصص وروايات

رواية في قبضة الطاغية (الفصل الثاني والعشرون)

_صرخت “جود” بهسترية كبيرة وهي ترمض نحو “غيث” وتمسك به تعنفه قائلة:
-متموتش متسبنيش ،مش بعد ما كل حاجة بتتصلح تسبني لازم تعيش !
كان يسمعها ولا يستطيع التحدث يريد أن يطمئنها بأنه سيتحمل لأجلها فقط لكن قدرته لم تعطه الفرصة ليطمئنها !
حاول الحارس “عماد” تهدئها وحتى أيضًا ليسرع وينقذ سيده:

-اهدي يا هانم من فضلك مش عايزين حد يحس بحاجة وخلينا نتحرك بسرعة عشان نلحق ننقذه من فضلك اتفضلي معانا عشان تساعدينا !
أومأت برأسها باكية وتقدمت معه بسرعة سبقته نحو غرفته حتى وصلا إليها ثم ألقاه “عماد” بهدوء تام حتى لا يسبب له ألم وماهي إلا لحظات حتى أتى طبيبه وأمر الجميع بالانصراف خارج الغرفة ليبدأ عمله !
……….

بالخارج انتظرت “جود” وقلبها يدق بغرابة وهي تدعو الله أن ينجيه من كل سوء ،ظلت تبكي بخوف ورعب حقيقي وهي تنظر نحو الباب ،اقترب منها “عماد” وهدئها بحديثه قائلًا:
-متقلقيش يا هانم الباشا قوي وهيتحمل إدعيله كويس بس !
نظرت نحوه ثم سألته بشهقات عالية:
-هو ازاي ده حصل ،قولي؟!
تنهد آسفًا لكنه تحفظ ولم يخبرها وقال:
-مش معلوم ده ،هنعرف لما يفوق !

هكذا اكتفى بتلك الكلمات ولم يخبرها عن شيء وظل واقفًا عند الباب صامتًا كالجبل بينما “جود” تعشر بالقلق!
……………………………………………
في ذلك الوقت بمنزل “سالم” …
مازالت “كوثر” على إصرارها وانتظرت عندما عاد “مالك” من علمه لتخبره بكل شيء ،فتكون صدمته كبيرة بأن لديه أخ وجده الكبير السبب في ما جرى لأخيه ، لام وعاتب والدته قائلًا:
-ازاي يا أمي متقوليش حاجة زي دي ولا تعرفيني ليه خبيتي كل عني ؟!!

هدأته “كوثر” قائلة:
-يابني مكنش ينفع كلهم غصبوا عليا وهددوني خفت عليكم يا “مالك” يحرموني منكم !
جلس بقربها وقبّل يدها وقال:
-محدش يقدر يبعدك عننا يا أمي ،عشان كده جدي كان بيعاملك هو وبابا بطريقة غريبة وأنتِ مش بتتكملي !
تنهدت “كوثر” بحزن كبير ولم تتحدث بينما تابع “مالك” وهو ينظر لأخته بنبرة جادة:

-دلوقتي أنا مش موافق تروحي هناك دلوقتي ،الانسان ده خطير ومتضمنيش اللي هيحصل وهتقولي كمان إيه لأبويا وجدي !
لم تكترث “كوثر” لحديثه بل صمتت أكتر وهي نزرف الدموع:
-مقدرش يا ابني لازم أكون جنبه دلوقتي ،وكلنا لازم نكون معاه عشان نعوضه عن أي عذاب شافه هو محتاج لينا ، يمكن في البداية مش هيتقبل لكن هو بنفسه اللي مش هيقدر يبعد !
ثم أكملت وهي تنظر لابنتها “مليكة” مبتسمة :

-هو كمان اتغير لما أختك كانت عنده وقدر يتعامل معاها كويس ،وكمان “مليكة” حكتلي كل حاجة وأنه اتجوز بنت غيرته كتير يعني في أمل !
تنهد “مالك” بعد سماعه كل تلك الصدمات الواقعة أمامه ،لديه أخ كبير قد تعذب ولا يعرف عنه شيء ،والده وجده السبب في كل ذلك وقد جعلوا والدتهم تعاني كثيرًا ، خائف من مجهول لا يعلم سببه !
جلس على الكرسي في الغرفة وهو يشبك أصابيعه معًا يفكر ثم هتف بنبرة قلقة وهو يشير بيده :

-طب وجدي وبابا هتعملوا معاه إيه ما أكيد لو عرفوا مش هيرحموكي يا أمي ،هنقولهم إيه !؟
زفرت “كوثر” أنفاسها باختناق كبير وهي تعلم عاقبة الأمر :
-ما هما عمرهم ما رحموني في حياتهم ،فهستحمل أي حاجة مقابل أشوف ابني واخدوا في حضني !
طرقت ببال “مليكة” فكرة رائعة لتنفيذ الأمر دون أن يعلم أحد بها قائلة:
-في فكر جامدة مش هتخليهم يجوا جنبك أصلًا !
استمعت لها باهتمام كذلك “مال” الذي هاتف ساخرًا عليها:

-قولي يا عبقرية زمانك !
نظرت له نظرات نارية ثم عاودت النظر لوالدتها قائلة بجدية كبيرة:
-مش هيعرفوا إنك رايحة تشوفيه يا ماما ولا رايحة معايا أصلًا!
ظهر على وجهها علامات الحيرة فأكلمت “مليكة”:
-أحنا نروح الصبح هتحرك أنا بدري وهقول “مالك” هيوصلني ويرجع وعشان يطمن عليا ،وأنتِ تخترعي إنك رايحة مشوار وأحنا هنهرب شنطتك من غير ما حد يعرف وهنستناكي برا لما تطلعي !

هتف “مالك” مستنكرًا ما تقوله أخته قائلًا:
-طب أنتِ لقيتي الحل ده عشان ماما تيجي لكن مش بتفكري في النتائج اللي بعد كده واللي هتحصل !
أكمل بنبرة جادة صلبة:
-لما يعرفوا إن ماما مش راجعة هيعملوا ايه وأنا لما أجي هنا تاني هقولهم إيه وهنتصرف إزاي بعد كده !
قاطعته “كوثر” متنهدة بابتسامة هادئة:

-أنا مش هرجع هنا تاني يا ابني خلاص ،وأنت هتفضل هناك لحد ما “غيث” يقدر يرجع معانا ويواجههم ده الحل الوحيد!
-وشغلي يا ماما نسيتي !
أكملت “مليكة” متنفخة:
-يابني أنت مش كنت مقدم على الأجازة اعشان تسافر وتستجم برا ،خليها دلوقتي وخلاص ،بس خلينا نخلص وبلاش تعقدها !
تنهد “مالك” وهو خائف من هذا المصير المجهول !

…………………………………………………….
خرج الطبيب ومعه طاقم عمله من غرفة “الصقر” بعد زمن طويل ما يقارب ساعتين ،وفور طلوعه هرولت له تسأله بقلق كبير وخوف مريب:
-هو آآ عايش عايش صح !؟؟
هدئها “عماد” قائلًا:
-براحة يا هانم ،طمنا يا دكتور الباشا وضعه إيه بظبط !؟

تنهد الطبيب بتعب ثم تحدث بنبرة طبيعية جادة:
-الوضع كان خطير الغرزة كانت عميقة وقريبة من قلبه ،حاليًا إحنا حطيناله كل الأجهزة اللازمة كأنه في العناية المركزة ، ولازم نستنى لبكرة ونشوف الوضع إيه الطاقم هيفضل هنا طبعًا وبكرة هاجي واطمن عليه ، حمدلله على سلامته !
أومأ “عماد” برأسه بجدية وقال:
-زي ما اتفقنا عايزين الوضع يتم في سرية ومحدش يعرف بيه !

تفهم الطبيب وهز رأيه موافقًا ،فأكمل “عماد” مشيرًا له:
-اتفضل حضرتك ،شكرًا لتعبك !
أوقفه الطبيب بإشارة من يده وهو ينظر نحو “جود” قائلًا :
-لو سمحت يا أستاذ “عماد” تسبيني مع المدام “جود” محتاج أتكلم معاها شوية !
وافق “عماد” وتركهم بمفردهم لكن ظل قريبًا بحث يستطيع مراقبتهم والاطمئنان على سلامة زوجة سيده !

عاود “الطبيب” النظر نحو “جود” وقال مبشرًا إياها :
-متقلقيش يا هانم ،الباشا صحته هتكون تمام ،واللي حبيت أقولهولك أنه مبطلش ينده اسمك رغم حالته ،فأكيد حضرتك هتكوني عامل مساعد لي عشان يقدر خف وطبعًا تفضلي تدعيله !
أومأت برأسها عدة مرات سريعًا ثم هتفت وهي متلهفة :
-طب ينفع أدخل أشوفه أرجوك !

سمح لها بدوخلها لكن لعدة دقائق فقط وعدم التحدث أو إحداث أي شيء انفعالي !
رافق “عماد” الطبيب خارجــًا ،بينما دلفت “جود” إلى الداخل وقلبها يرتعش ودموعها تنسكب بغزارة ،شعرت أن غرفته الأن أصبحت حقًا كأنها غرفة بالعناية المركزة ،انقبض قلبها وشعرت بوخز حاد وهي تراه هامدًا ،كيف حاله الأن لا يُفرض سطوته وطغوته بل الأن هو ليس به قوة كالسابق اقتربت من سريره وأمسكت بيده بارتعاش ودموعها تنسال بغزارة دعت له من قلبها ثم أمرتها إحدى الممرضات بالخروج الأن حتى لا يحدث مضاعفات ،تركته وقلبها يعتصر وذهبت نحو غرفتها …

نعم هي تحبه أصبحت تكن له تلك المشاعر التي كتمتها وأنكرتها الأن هي تعترف أنها تحبه وتحبه بشدة أيضًا :
-بحبك يا “غيث”
…………………………………………………..
في عالمه كان يرى ما كان يخشى أن يراه ،وكأن شريط حياته يُعاد من جديد ، ها هي والدته تأخذه ذلك اليوم وهو في الخامسة من عمره ،ثم تتقدم من ذلك المنزل وتطرق الباب ،ليفتح لها من عشقته لسنوات وغدر بها قائلًا:
-“كوثر” ؟؟!

ابتسمت له بوهن وقد عاد قلبها يدق من جديد قائلة:
-ازيك يا رفعت
قوس حاجبيه متعجبًا من مجيئها بعد كل تلك المدة قائلًا:
-إيه فكرك بيا دلوقتي ، وجاية ليه بعد اللي عملته فيكي !
تذكرت “كوثر” تلك الأيام وتنهدت بوهن قائلة:

-جيت عشان أعرف ليه عملت فيا كده يا “رفعت” أنت عمرك ما كنت شخص بالشكل ده ،ضحكت عليا ليه ؟
انكسر قلبه وهي يتذكر ما حدث تنهد بمرارة وهو يتذكر كيف أبعدوه عن من يحب وتمنى أن تكون شريكة حياته وكيف خططه ليفعل هو ذلك :
-هحكيلك يا “كوثر” كل حاجة ، تعالي نقعد برا ..

تقدم معها وجلسا في تلك الحديقة الملازمة لمنزله ، جلس ولاحظ وجود ذلك الطفل الصغير معها فسألها قائلًا:
-مين ده ابنك!؟
أومأت برأسها دون أن تتحدث ،فبدأ “رفعت” حديثه قائلًا:
-صدقيني يا “كوثر” أنا ظلمتك معايا واللي حصل لحد دلوقتي بتعاقب عليه ، لما أهلي رفضوا جوزانا وأنتِ صممتي تتحدي أهلك عشاني مسكتوش وأمي فضلت تزن وريا إني أذلك وأكسرك وأنا رفضت هدتتني إنها هتطردني برا البيت وقالولي إني هتجوزك بعد كده قولت طالما هتجوزك يبقى خلاص مش مهم اللي يحصل ده !

صُدمت “كوثر” من الذي تسمعه وشعرت بالشفقة على نفسها ليكمل “رفعت”:
-وقتها بس استغليت صغر سنك وجهلك بالحياة وحصل اللي حصل ده وبعدها خدوكي ورموكي في الشارع !
بكت بحرقة وهي تستمع له ، بينما تنهد “رفعت” وهو يكمل مشيرًا لقدمه:
وعقاب ربنا ليا إني عملت حادثة ورجلي انبترت وبقيت بمشي برجل صناعي !
وأضاف ساخرًا :

-لكن على الأقل أنتِ اتجوزتي وخلفتي وعيشتي حياة جديدة !
انفجرت هنا “كوثر” بحديثها قائلة:
-عايشة حياتي ؟! ، هو أنت سألت فيا ولا عارف إيه اللي حصلي بعد اللي عملته فيا !!!
أكملت بمرارة وهي تتذكر ما حدث لها وأشارت لابنها:
-“غيث” حبيبي روح العب مع الولاد اللي هناك دول

ذهب الطفل الصغير ليلعب بمرح بينماربنا وحده قدر ينقذني من اللي كنت فيه ، بعد اللي أنت عملته سيادتك ، أمي وأبويا عرفوا وماتوا من حسرتهم وفضلت شايلة ذنبهم لحد اللحظة دي ،وبعدها عمي خدني وجوزني ابنه وروحت للدكتورة عشان تحاول تعالج اللي كسرته ولحسن حظي “رحيم” جوزي مكشفش حاجة عشان كان يبحني وكان واحد قدر يعوضني عنك !
ثم نظرت نحو ولدها وقالت بتمزق:
-لكن الحقيقة اللي فعلًا بتوجع هو ابني يا “رفعت”

لم يفهم ما تقصده فسألها قائلًا:
-قصدك إيه يا “كوثر”
واجهته بعينها الباكية:
-يعني ابني ده يبقى منك يا “رفعت”
كانت صدمة “رفعت” كبيرة كيف ذلك ألم ينتهي العقاب بعد منه !؟

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق