قصص وروايات

رواية في قبضة الطاغية (الفصل الحادي والعشرون)

_عندما ركبت “مليكة” مع “غيث” سيارته كانت مربتكة من طريقته وتصرفاته ،فقد بدا عليه الانزعاج وعلامات الغضب ، لم تحاول أن تسأله خاصة أنه لم ينظر لها بل ظل موصبًا نظراته على الطريق من نافذة سيارته !

_وصل بهم السائق في مكان بجانب القرية خصصه “الصقر” عندما يقرر الانعزال عن العالم ، توقفت السيارة لينزل “غيث” ويأمرها بإشارة يده لتنزل ،فعلت ذلك ولحقته لتجد هذا المكان الذي أبهرها حقًا ، أمامها بحيرة كبيرة لونها صافٍ عذب محاطة بجلسة رائعة مصنوعة من الخشب والزرع الذي أضاف رونقًا مبهجًا يريح النظارين ،ابتسمت لا إراديًا وعينها تتفحص المكان بكل هدوء نفسي ،حتى استقرت عينها على أخيها فدب بها الخوف من جديد فمازالت أثار الغضب واضحة عليه ، اقتربت منه عند ضفة البحيرة ، وحاولت أن تحدثه قائلة:

-“غيث” !
لم يلفت لها لكنه هتف بعد أن هدأ صوته قليل وهو يشعر بوخز حاد في قلبه :
-قولتلها إيه خليتها تتوجع كده ؟
لم تفهم مقصده وسألت مستفهمة:
-مش فاهمة قولت إيه ،ولمين ؟!
تنهد وهو ينطق اسمها من أعماق قلبه :

“جود”!
تعجبت أكثر وهي تنظر لعينه قائلة:
-مالها أنا مقولتش ليها حاجة !
-وأمها ؟!!!
قالها بصوت عالي ارتعدت منه ،ثم ارتبكت بماذا أخبرته “جود” قالت بصوت مرتعش:
-هي قالتلك إيه بظبط !!، أنا مسألتش غير عليها

جلس على تلك الرمال أمام البحيرة وهو يتذكر ما قالته له وجعله يتألم بشدة لتعود حالته التي يبغضها :
-ليه ؟ ،ليه سألتي !
حسمت “مليكة” أمرها وجلست جواره ثم قالت بنبرة جادة للغاية :
-“غيث” في حاجة مهمة لازم تعرفها وده اللي خلاني أسأل عنها !
التفت لها باهتمام كبير وهو يقول بلهجة آمرة:

-قولي في إيه ؟!
ظهر على وجهها الارتباك على ما ستمليه عليه وقالت :
-من فترة كده في واحدة ست كبيرة جت عندنا ،مش هي اللي جت يعني هي كانت مرمية في الشارع و..آآو يعني ماما وبابا جبوها البيت !

قست ملامحه لدى سماعه كلامتها وكان لا يريدها أن تكمل لكنها أكملت بحزم قبل أن يتحدث هو:
-بعدين حكتلها إن صاحب القرية اللي عايشة فيها طردها وحرمها من بنتها وبنتها اسمها …”جود” يا “غيث” !
كل ذلك سمعه بذهول تام فالقدر جعل تلك السيدة العجوز تذهب إلى منزل مآسيه الجريحة المنزل الذي يعتبره منزلًا للأشباح والشياطين أجمعهم ، شعر بانقباض حاد بقلبه إذًا والدة “جود” متواجدة هناك كيف يعيدها !

ظهرت تلك الشراسة الغاضبة على وجهه وأمكسها من معصمها وقال:
-وليه مقولتيش الكلام ده من الأول ،سكتي عنه ليه وقولتها حاجة من دي قوولي !
بكت “مليكة” من طريقته معها وقال نافية:
-والله ما قولتلها حاجة ،كنت مستنية أكلمك عشان أتأكد منك متصرفتش ولا عملت حاجة ، وسيب إيدي بقى يا “غيث” بتوجعني !

أطلق سراح يدها التي ألمتها بشدة وهو يحاول التحكم بأعصابه ، يحاول أن يفكر في حل ما ، جلس مرة أخرى ولم يتحدث إلا أن سمع صوت “مليكة” تقول:
-الحل الوحيد عشان ترجع إني لازم أرجع البيت وأجبها بنفسي هنا وهتصرف هناك مش هخلي حد يعرف حاجة ،لكن لازم ترجع الست دي لبنتها ، كل يوم يا عيني تفضل تعيط ،لازم تعوضها يا “غيث” عشان خاطر “جود” !
التفت لها ليشعر بشيء غريب داخله وقف ثم هتف دون أن ينظر لها:
-من بكرة تروحي وتجبيها من غير أي كلمة !

انصرف وتركها فابتسمت لكنها سرعان ما تذكرت شيء وركضت خلفه قائلة:
-“غيث” استنى !
توقف ولم يلتفت فهو لم يتعود عليها بعد ، وقفت أمامه تخاطبه قائلة:
-في حاجة نسيت أقولك عليها كمان !
تنفخ وقال بنفاذ صبر:
-خير تاني !

-أكملت بتوجس قائلة:
-آآ، حارس المزرعة الجديد كان محتاج يكلمك عشان تنقله القصر عندك هو مش مرتاح هناك و..
قاطعها بنبرة عصبية عنيفة:
-نعم ياختي !، وهو كان يحلم يشتغل عندي لو مش عاجبه يبقى يمشي أحسله !
حاولت “مليكة” تلطيف الأمر قائلة:
-يا “غيث” ده شخص كويس ومحترم وعمره ما اشتكى من حاجة وأنت عارف أصلًا المزرعة فيها حراس كتير قصرك محتاج حراس أكتر !

-تذكر ما حدث ل”جود” وكيف كانت حياتها بخطر كبير ، لم يُظهر اهتمامه وتقدم وتركها قائلًا:
-هبقى أشوف الموضوع ده بعدين !
ذهبت وقبّلته في خده ليندهش من فعلتها لتقول بنبرة مرحة:
-حبيبي يا أخويا والله !
لتسبقه تلك المرة وتركب السيارة وسط دهشته الكبرى لكنه ابتسم بخفية !

……………………………………………………
عاد “الصقر” في المساء ودلف نحو غرفته مباشرة بحث بعينه عنها فلم يجدها ،قلق من داخله ثم ذهب ناحية غرفتها السابقة ،فتح الباب بهدوء ليجدها مظلمة فتح فقط نور الاباجورة ، ليجدها نائمة كالأطفال ، ملاك هادئ يراه بعينه فيغمضها متنهدًا بحرارة ،اقترب منها بهدوء ، ثم جلس بجانبها على حافة الفراش، أخذ يمسد على شعرها بحنان لم يتوقع أن يفعله بنفسه ، ثم قبّل رأسها ولاحظ وجهها الممتلئ بالدموع شعر بوخز لأنه السبب فيما تعانيه ورغم كل ذلك هي تساعده لكنه لم يعطيها السعادة بعد !

ضمها إليه ثم حملها بلطف لتفتح عينها بإرهاق وتقول بصوت شبه واعي:
-بتعمل إيه ؟!
-ششش نامي !
قالها بنبرة هادئة خافتة بينما استندت برأسها عليه حتى وصلا إلى غرفتهما ، نيمها ثم نام بجوارها وأخذها بحضنه فتشبثت به من دون إرادتها !

…………………………………………….
في اليوم التالي ، سافرت “مليكة” وعادت إلى منزلها وما إن دلفت ورأتها والدتها صُدمت من دهشتها وهي تقول بفرحة:
-“مليكة” ! ، حبيبتي وحشتيني أوي!
ارتمت بأحضانها وبكت لاشتياقها لابنتها وأيضًا لأنها تشتم رائحة ابنها بها !
جلسا في الصالة حتى أتى جدها التي أصبحت تبغضه لكن لم تظهر ذلك سلمت عليه فقال بخشونة:
-إيه اللي جابك في الوقت ده اطردتي ولا إيه !

شعرت “مليكة” بالضيق وأيضًا “كوثر” لكنها لم تستطع التحدث بينما تحدث “مليكة” بثقة:
-لا يا جدو ادوني أجازة يومين عشان أشوف أهلي!
أومأ برأسه ببرود تام ،بينما نغزت “مليكة” والدتها وقالت:
-أنا هروح أريح شوية يا ماما من التعب !
تفهمت ووقفت معها قائلة:
-تعالي يا بنتي في أوضتك !
تركوه وحده ليشعر “سالم” بألم في صدره كتمه !

…………………………………………….
في غرفة “مليكة” جلست مع والدتها وحكت لها ما حدث هناك ،لتشهق والدتها وتقول :
-يعني “ًصباح” كانت هناك عند “غيث” وتبقى كمان مامت مراته !
-أيوة يا ماما ولازم ترجع “غيث” جبني هنا عشان كده بس متخفيش معرفتوش حاجة !
فكرت “كوثر” مليًا ثم حسمت أمرها وقالت :
-أنا هاجي معاكي هناك!!
صُدمت “مليكة” وقالت نافية بشدة:

-لا يا ماما أرجوكِ بلاش، هو لسة مش عارف حاجة ولا مستعد !
صممت والدتها وقالت:
-لا يا بنتي هو محتاجني أنا لازم أفضل جنبه مينفعش أسيبه هو في الوقت ده هيحتاج لأمه !
تنهدت “مليكة” وهي لا تدري ماذا تفعل فقالت مقترحة:
-خلينا نبلغ “مالك” يمكن يساعدنا هو كمان !

………………………………………….
وفي ذلك اليوم المشئوم …
في هذا الوقت تواجد “غيث” بالمزرعة وبجانبه حارسه “عماد” ،لمح “غيث” بعينه مكانًا ما وابتسم بداخله ثم قال ل”عماد:
-استناني برا يا “عماد” دلوقتي!
نفذ لأمره على الفور بينما تقدم “غيث” من ذلك المكان وهو يتفحصه ويخطط لشيء!

وبينما هو مسلط تركيزه على تلك البقعة التي يتواجد بها ،شعر بوخز حاد ،حاد للغاية اخترق جسده ليسمح بسيل من الدماء يتسلل منه بغزارة ، واشتد الألم عندما نُزِع ذلك الشيء الحاد ليدوي صرخة عالية وينظر وراءه ليراها تنظر له بعدوانية وشيطانية كبيرة قائلة:
-خدت بتاري منك يا مفتري!!!
…………
أصبح غارقًا بدمائه حاول الوقوف لكن كانت الضربة جارحة بشدة ولم يقدر على الوقوف!

…..
هربت “بهية” بسرعة لكن لسوء حظها أمسكها أحد الحراس ولسذاجتها وجد السكين مازالت بيدها فهتف الحارس صارخًا بها:
ايه اللي في ايدك ده يا بت انطقي هبتتي ايه !
حاولت دفعه وغزه بالسكين لكن كان الحارس أقوى منها :
قدامي يا مصيبة أنتِ داهية تاخدك !
في طريقهما قابلوا “عماد” الذي ارتاب وسأل الحارس:

-مالها دي يا “كرم” !!؟
هتف “كرم” بلهجة مريبة قلقة:
-باينها عاملة مصيبة وقاتلة حد بس مشوفتش حد لسة عايز أربيها الأول!
ارتاب “عماد” أكثر وجاء بباله سيده أنه بخطر فركض نحوه وسط دهشة “كرم” لكنه أدخل تلك الفلاحة ليلقنها درسًا لن تنساه !

…………
وصل”عماد” عند مكان سيده فوجوده على تلك الحالة المزرية وفورًا حمله بصمت دون أن يحدث جلبة ووضعه في سيارته وأمر السائق بتوجه نحو قصره والاتصال بطبيبه الخاص !

وصل “القصر” وفي ذلك الوقت كانت “جود” جالسة بالأرجوحة شاردة بصمت حتى لمحت سيارة “غيث” آتية ،تعجبت من ذلك ولما وصل مبكرًا ذهبت هناك لتتفحص الأمر فوجدت حارسه “عماد” ينزل ويحمل “غيث” الغارق بدمائه لتشهق “جود” بهستيرية :
-“غيــــــــــث” متموتش متسبنيش !!!

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق