قصص وروايات

رواية في قبضة الطاغية (الفصل الثامن عشر)

_كان الذهول باديًا على وجهه مما ترتديه الأن ، نظر لها بسخط حاد مستهزئ ، وهو يتفرس بها من فوق إلى أسفل بتهكم واضح !

رآها ترتدي بيجامته الخاصة لكن لم تكن بيجامة عليها بل أشبع بمعطف طويل واسع يجعلها تكاد تكون مخفية ، من صغر حجم “جود” ومن كبر حجم بيجامته الضخمة ،أصبحت “جود” كأنها غاطسة فيها ،يكاد يُرى رأسها ، وضعت “جود” يدها على عينها بكم البيجاما الواسع حتى تحجب رؤيتها لديه بهذا المنظر !

_لم يتحامل “الصقر” كل ذلك واقترب منها سريعًا وعلى وجهه علامات الغيظ ،نزع يدها من فوق عيناها وبدا صوته غاضبًا بعصبية حادة :
-أفهم إيه من اللي أنت لابساه ده ها ؟، ملبستيش ليه القمصان اللي قدامك عليها ولا هما منظر بس ؟!!
حاولت تحاشي النظر إليه بقدر المستطاع ولم ترد عليه فصاح بها حتى اغتاظت منه وقالت :

-أنت ازاي عايزني ألبس القرف ده قدامك مستحيل طبعًا ،هو أنا قليلة الأدب زيك !
احتقن وجهه بدماء من حديثها المستفز أمكسها من ذراعها بقوة وهو يهتف بها وعينه حادة :
-لا وحياة أمك ، نسيتي من اتجوزك دلوقتي سيادتك ولا هتعمليهم عليا ،اتفضلي يلا روحي غيري الزفت ده والبسي حاجة عدلة يلا !

دمعت عيناه “جود” وهي ترى به مرة أخرى ذلك الشخص الذي تبغضه وتقرف منه ،تنهدت “جود” وصممت على رأيها قائلة :
-مش هلبس حاجات من دول ،حتى لو اتجوزتني فأنت أصلًا مخدتش رأيي أصلًا وعاملتني زي العبدة عندك ، واعرف كويس إني بنت محترمة مش هعمل حاجة غصب عني مش من أولها هلبس القرف ده ،لازم تتصلح الأول وبعدين أفكر !

تركها “الصقر” وقد حاول السيطرة على أعصابه وتنفخ بشدة أمسك بعلبة سيجارته ليشعل واحدة باختناق حاد وظل صامتًا ، وجلست “جود” على أريكة الغرفة تبكي بصمت وهي خائفة وترتعش ،لاحظها “الصقر” وسمع صوت بكائها أغمض عينه ثم أخذ ملابسه ودلف إلى مرحاضه مجددًا وخرج بعد برهة مرتديًا ملابسه ليجدها على نفس تلك الحالة نظر لها نظرة صامتة سريعة ثم خرج من غرفته تحت أنظارها المندهشة ،

انتظرت تفكر أين ذهب وما لبث الوضع إلا أن دلف مرة أخرى ووجدها مازالت على حالتها ،اقترب ،منها ورمى لها ما في يده ، تفحصت “جود” لتجد ملابس من خزانتها بغرفتها القديمة أكثر احتشامًا من الأخرين ، أعطى لها منامة قطنية قصيرة قليلًا تذمرت لكنها علمت أنه لا يعلم شيئًا عن الاحتشام ،مسحت دموعها بهدوء وذهبت نحو المرحاض لتبدل ملابسها وخرجت بعد برهة مرتدية المنامة لتنظر حولها فتجده نائم على السرير ومعطي لها ظهرها لكنه نائم بطريقة غريبة طريقة تنم عن حزن مدفون ،تنهدت في أمره ثم نظرت حول الأريكة وقررت النوم عليها !

_ترددت في الاستقلال على تلك الأريكة لتعاود النظر إليه من جديد وتتذكر ما حدثها عنه وأنه لم يرى أي حنية بحياته بل كانت حياته عبارة عن إجرام وقسوة من أهله الذين تخلو عنه ورموه وحيدًا !

_رق قلبها نحوه وضعف قلبها وببطء حاد توجهت نحو الفراش خائفة ،جلست عليه تفكر بيدها متوترة ،ولم ترى منه أي ردة فعل ،استقلت عليه واستندت برأسها على ظهر السرير وهي شاردة وتفكر وتنظر نحوه ولم تجد منه تأثر ،بل ظل هكذا يرفض الالتفات نحوها ،أثار ذلك حيرتها أحقًا كانت قاسية معه أكان يحتاج إليها ؟! ،لكنها لم تخطي في حديثها فماذا عن مشاعرها هي من ؟،من سيقدر مشاعرها هي ؟،لا تستطيع أن توافقه آراءه تلك وهو على هذا النحو من الطباع ،لم تتعرف كيف تتصرف وهل لابد أن تواسيه ،لكن يجب أن يبدأ بنفسه هي لن تتركه لكن يجب أن يتعلم الصواب !

_نامت على حالتها تلك ولم تفعل له شيئًا وهي تفكر فيما يشعر به الأن ، إلا أنها تشعر باضطراب حاد لكونها نائمة بجانبه !
……………………………………
عندما وصلت “مليكة” نحو منزلها كانت تشعر بتعب كبير وكانت أيضًا شاردة في مكالمة والدتها فكرت أن تظل مغلقة هاتفها حتى تتمهل في إيجاد حل مناسب لكن الأمر كان صعب عليها فهي لا تريد أن تجلب القلق لدى أهلها لكن هل حقًا عمها أخبر والدتها بكل شيء عن أخيها لكنه وعدها !

خلعت حذائها ورمته بإهمال وجلست على الأريكة فاردة قدميها واضعة يدها وراء ظهرها تفكر !
ثم فكرت باسم “جود” الذي لم يغيب عن بالها قائلة :
-أنا متأكدة إني سمعت الاسم ده من بيتنا بس فين ؟

كانت في حيرة من أمرها لذلك بتردد فتحت هاتفها واتصلت في البداية بعمها “عدلي” الذي رد عليها وقال:
-أنتِ فين كل ده هتخلي أمك يجرالها حاجة
تنفخت “مليكة” وهي تستمع لحديثه ذاك ثم هتفت وهي ممده على الأريكة :
-حكتلها ليه يا عمي ؟
-مامتك عارفة كل حاجة من زمان وكمان شافته قبل كده !

انفضت “مليكة” وقالت سريعًا :
-وهو شافها واتكلم معاها ؟!
هتف “عدلي” نافيًا :
-لا طبعًا ،”غيث” مستحيل يتقبلها دلوقتي ، افتحي بقى تليفونك وطمنيها !
-طيب يا عمو هكلمها دلوقتي !
أغلقت وزفرت بانزعاج ثم اتصلت بوالدتها التي ردت على الفور :
-فينك يا بنتي ليه تليفونك مغلق ؟!

ابتسمت “مليكة” وقالت :
-معلش يا أمي الشبكة هنا مش حلوة !
تنهدت “مليكة” ثم هتفت قائلة :
-أيوة يا ماما أنا في قرية “غيث” أخويا!
-يعني مكنتش الشبكة وكنتي بتستهبلي !
وقفت “مليكة” واتجهت نحو الشرفة وقالت :
-مكنتش عايزاكي تعرفي حاجة هنا عشان ميحصلش مشاكل
-طب طمنيني عنه يا بنتي قوليلي عرفك ؟

تذكرت “مليكة” حديث أخيها وقالت:
-لا طبعًا معرفنيش هو مش أنتم خلتوني متسجلة باسم جدو يعني أكيد مش هيفتكر زمان اسم جدو بالكامل !
ارتاحت “كوثر” وقالت:
-طب الحمدلله ،بس خلي بالك كويس وربنا يرجعك لينا يا ابني !

……………………………..
في صباح اليوم التالي ، فتحت “جود” عيانها متثاقلة لتجد ثقلًا عليها نظرت بجانبها فوجدت يده عليها بالكامل فأصبحت لا تستطيع الحراك ، قربها إليه أكثر واحتمى بأحضانها حتى التصقت به ،شعرت بالخجل وكانت تريد الابتعاد حاول إزاحة يده فلم تستطع من قوة يده عليها زفرت بضيق وحاولت مرارًا وتكرارًا حتى قبض عليها أكثر وهتف بنبرة هامسة:
-مش هتقدري!

نظرت نحوه وجهه لتجده محملق بها ومن رفعة رأسها تلك أصبحت قريبة للغاية منه فأصبحت أنفاسهما قريبة وكل واحد منهما يشعر بنفس الآخر مع دقات قلب سريعة !
ظلت تلك النظرات بينهم تدقق بهم “جود” لتجد بهم عينا شخص يستنجد بها بألا تذهب وتتركه ، وجدت نفسها تفعل ذلك وهي غير مصدقة أمسكت بيدها رأسه لتضعه بين أحضانها وسط دهشته الكبيرة ،ضمته بكل قوتها وقبّلته في رأسه ليتمسك هو بها ويدفن رأسه بداخلها يستنشقها كلها هتفت من بين أنفاسها:

-أنا معاك علطول ،بس لازم تتغير !
لم يرد عليها بل ظل حابسًا رأسه بها ولم يدعها تفلت منه أبدًا !
……………………………………………………..
وصل “باسل” نحو المزرعة بخطوات واثقة وهو يرتدي أفخم ملابسه حتى أوقفه الحارس بنظرات متفحصة:
-على فين ؟
ابتسم “باسل” برسمية وقال:

كنت جي عشان أقدم على طلب وظيفة حماية المزرعة مش كان في طلب بيها !
نظر له من فوق إلى أسفل وأشار قائلًا:
-طب استنى هنا شوية !
غاب عنه للحظات حتى أتى ثم أشار له ليتبعه :
-تعالى من هنا يلا!

مشى وراءه “باسل” بضيق بالغ وهو يريد أن يفجر تلك المزرعة بكل من بها ،تحامل على نفسه حتى وصل إلى مكتب “الصقر” ليقول له حارس المزرعة:
-هتتفضل هنا مع الأستاذ “عماد” هيتناقش معاك في كل التفاصيل!
تركه حتى يجلس “باسل” ليبدأ رحلته في الانتقام المدبر!

…………………………………………….
تناولا فطورهما و”جود” تشعر بالتفاؤل لأجله حيث لم يتعامل تلك المرة بفظة أو عنفوانيه بل كان طبيعي بين اندهاش الخدم ،باغتته “جود” بسؤالها مترقبة ردة فعله:
-هو أنا ينفع أنزل أشوف بابا تحت ؟
لم ينظر إليها بل رد وهو مكمل طعامه:
تحت فين؟
رفعت حاجبها وقالت:
-في السجن تحت !

نظر لها أخيرًا ثم قال بنبرة هادئة:
-بس هو مش تحت!
اضطربت “جود” وارتعدت على والدها فظهر ذلك على معالم وجهها وقالت:
-أمال هو فين ؟!
لاحظ قلقها فأمسك يدها وقال بنبرة مشاكسة:
-متخفيش أوي كده ، مش معقول هسيب حمايا يبات في سجن فخليته يبات في شقة كبيرة وكمان هيرجع يشتغل في الأرض بس بالشكل تاني !

لم تصدق “جود” ما قاله وفرغت فاها قائلة:
-أنت بتتكلم بجد!
ابتسم وقام ولم يرد عليها حتى خرج وقال:
-لا بهزر يختي !
تركها وسط دهشتها وكانت الابتسامة طريقًا على شفتيها بشكل عفوي !

……………………………………………..
قُبِل “باسل” من تحت أمر “الصقر” بعد أن أجرى “عماد” مقابلته معه وأخبره “باسل” أنه يحتاج لتلك الوظيفة حيث لم يوفَق في تجارته للعطور واستطاع بحرفية أقناعهم كشخص مثالي لحماية المزرعة …..
أمر “الصقر” “عماد” بإجراء تحريات عنه لتأكد من صحة كلامه فوضعوه تحت المراقبة ثم استلم عمله الأن

…………………………
وصلت “مليكة” نحو عملها وتلقت واستمعت إلى مباركات الفلاحات للحفل زواج أخيها فابتسمت لأن الفلاحات أصبحن بحالن أفضل بعد تغير “الصقر” معهن …
استمع “باسل” إلى تلك المباركات وأخذ يتساءل عن تلك المباركة فذهب نحو الحارس وقال:
-هو في ايه ؟ الناس دي بتبارك ليه!
قال الحارس وهو يحتسي قدح الشاي:
-ده عشان “الصقر” باشا اتجوز امبارح !

ضاقت ملامح “باسل” وسأل بفضول متوتر :
-أكيد بقى واحدة مقامها كبير مش كده ولا ايه ؟!!
أجاب الحارس بسخرية:
-لا بعيد عنك دي واحدة كانت فلاحة هنا وأخدها كان اسمها ايه ياربي ،اااه افتكرت البت “جود”ّ!
اتسعت عيناه بصدمة وهو يتمتم بخفوت:
-مراته ؟!!!

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق