قصص وروايات

رواية في قبضة الطاغية (الفصل السابع عشر)

_بجمال “جود” الخلاب أخذت “الصقر” إلى مكان حبس أنفاسه بها ،فحينما رآها بهذا المنظر لم ينظر إلى مظهرها الخارجي الجميل ،بل كان مصوبًا نظره على رونقه الروحي الذي كان يراه بوضوح ،

رأى طيبة وحنان وبراءة طفلة تريد العون ،كما لاحظ أيضًا ذلك الخوف واليأس بعينها ، فقد كانت “جود” ترتدي فستانًا ذهبيًا هادئًا ،به القليل من الفصوص الماسية الأصلية عند منطقة الصدر والأكتاف ،كما تميز بانسيابه كالحرير وبه تطريز كلاسيكي ممتاز ،وجعلت شعرها منسدل وبه تاج رقيق أعلى شعرها مع بعض لمسات التجميل البسيطة للغاية فأصبحت هي والفستان وشعرها كتلة ذهبية مشعة تلفت الأنظار،

_ أفاق سريعًا وابتسم ابتسامة مستفزة جعلتها تحترق غيظًا ، دلف داخلًا وأمسك بيدها وأوهمها بأنه سيقبّل يدها لكن خطف قُبلة سريعة من خديها لتشهق “جود” لكنه قاطعها بحديثه بضحكة مريبة :
-يلا بينا يا عروستي !
لم تطمأن “جود” لنبرته فشعر بها مخضوضة فضغط على يدها يطمأنها قليلًا ،وسحبها لكنه سمع هتافها برعب :
-أنا مش عايزاك !

نظر في عينها مباشرة ولم يتحدث بل جعلها تتأمله قليلًا حتى تريده من دون أن يفعل شيء ، وبعدها بقليل اقترب من أذنيها وهمس قائلًا :
-أنتِ ليا أنا وبس !
بتلك الطريقة كانت “جود” مخدرة من أثر همس ونظراته فسحبها بهدوء حتى استسلمت له ، لينزلا إلى أسفل …..
_وقتها قد وصل المأذون وكل من “عماد” الحارس و”حسنية” ووالد “جود” “حامد” وبقية الخدم في البهو وبالطبع “مليكة” …

عندما رأت “جود” المأذون ،شعرت بشيئًا غريبًا ،أحقًا ستصبح زوجة ذلك الرجل الفاسد ،مر على خيالها حديث “حسنية” عن كيفية تغير هذا الرجل الطاغي ،فكرت في عقلها أنها ربما تستخدم تلك الزيجة فقط لتغير عقله ،وإن فعلت فستطلب منه أن يطلقها فإن تغير حقًا سيفعل ويحررها وهذا ما ستفعله …
_لاحظت “جود” وجود أبيها فابتسمت بسعادة لكن سرعان ما ذهب ذلك فور رؤية حزنه فعلمت أنه تحت أجبار سطوة ذلك الرجل الذي يكبلها بيده القوية !

_عندما رآها الجميع اذبهلوا من منظرها كملجة كجمال رائعة ،خاصة “حامد” الذي لم يصدق حقًا أن تلك ابنته الرقيقة والضعيفة ،رأى انكسار بعينها فصمت عليها بحزن لكن في نفس الوقت ببال مطمئن ،وصلا إلى أسفل وابتسمت لها “مليكة” بود ،رأتها “جود” وابتسمت لها هي الأخرى بهدوء !
أجلسها “الصقر” بجانب والدها وجلس هو بجانب “المأذون” ، ثم بدأت على الفور مراسم عقد القران ، وفي أقل من خمس دقائق أعلن المأذون عن زواج “جود” و…”غيــث” !

_وقتها لم تعلم “جود” بم تصف شعورها كان بودها أن تصرخ وترفض ،لكنها تذكرت أن رأت منه حنانًا ينبع من دون إرادته وأرادت أن تجعل ذلك الحنان منتشرًا به انتشارًا كليًا ،لكنها تعلم في نفس الوقت نواياه الخبيثة معها خائفة ،تذكرت كيف كممها وكانت دون وعي ، شعرت بالاضطراب وقلقت بعض الشيء لكنها حاولت أن تهدئ نفسها بالخير ..

_أرادات “مليكة” التعرف على تلك الفتاة الجميلة فانتهزت فرصة انشغال أخيها بهاتفه ثم تقدمت منها وسلمت عليها قائلة بلطف :
-ما شاء الله عليكي زي القمر !
ابتسمت لها بخجل ثم سألتها بنبرة فضولية :
-أنتِ أخته صح ؟!

ضحكت “مليكة” من طريقتها الطفولية بالحديث ثم هتفت قائلة :
-أيوة يا ستي للأسف شوفتي قدري !
قالتها بطريقة مزاحية جعلتها تضحك بينما عرفتها “مليكة” بنفسها قائلة :
-وياستي أنا اسمي “مليكة” وأنتِ؟
أعجبت “جود” باسمها ،ثم هتفت مجيبة :
-“جود”!

عندما سمعت “مليكة” ذلك الاسم شردت قليلًا تفكر أين سمعته ،نظرت لها “جود” بتدقيق حتى سألتها قائلة :
-في حاجة ؟
انتبهت لها “مليكة” وقالت بشيء من الحيرة :
-مش عارفة بس زي ما يكون سمعت الاسم ده ،يمكن تشابه أسماء!
ابتسمت لها “جود” بطريقة طبيعية وقالت :
-أظن كده

-بس أنت ما شاء الله عليكي يعني لغتك حلوة في الكلام
فهمت “جود” مقصدها تضايقت قليلًا لكنها قالت بنبرة واثقة :
-أنا بتعلم وبتدرب على طريقة الكلام المظبوط
لم تفهم “مليكة” مقصدها ولحسن حظها أتى “الصقر” وأشار “لجود” قائلًا :
-أبوكي عاوزك عشر دقائق بالكتير وتخلصي معاه !

تأففت من طريقته المزعجة معها بينما ركضت لترا والدها وكاد “الصقر” أن يذهب فنادته “مليكة”:
-“غيث”!
التفت إليها ولم يبدي تعبير على وجهه فأكملت بابتسامة لطيفة :
-عروستك جميلة أوي ،مبروك يا حبيبي !
شعر بشيء في قلبه لكنه لم يبدي وأظهر صلابه قائلًا بنبرة باردة كاذبة:
-شكرًا ،عقبالك
-بس أنا آآآ
قاطعها وهو يمسك بهاتفه الرنان :

-لحظة واحدة !
تركها ليرد فجلست تتنهد بضيق متذكرة “ماجد” وهي شاردة
………………………………………..
جلس “حامد” مع ابنته ثم أمسك بيدها وقال :
-مبروك يا حبيبتي
دمعت عيناه “جود” وهي تنظر إلى عينه قائلة :
-من قلبك يا أبويا !
ابتسم وقال بنبرة حزينة :

-اهدي بس يا “جود” ،مش عارف أقولك أيه يا بتي ،بس ما بيدي حاجة
تنهدت بأسى بينما ربت عليها والدها وقال :
-بصي يا بنتي ،رغم كل حاجة حصلت بس هجولها لك ،أنا مطمن عليكي معاه !
هتفت “جود” مستنكرة:
أنت اللي بتقول كده يا بابا ؟
أكد على صحة حديثه قائلًا:
أيوة ،ولازم تثجي (تثقي) بكلامي !

شبكت “جود” يدها معًا ثم بدا على وجهها علامات التوتر والخوف فنظرت له قائلة :
-بس يا بابا ،أنا خايفة !
ابتسم لها “حامد” باطمئنان :
-أنا متأكد أنه مش هيأذيكي ،بس لازم من للحظة دي تبتدي حياتك معاه وأنا متأكد إنك مش هتندمي !
ابتسمت بوهن غير مصدقة حديث والدها فهو لا يعلم ماذا يفعل لها كل يوم ….ثم ما لبثت أن تذكرت والدتها فبكت وقالت:
-ياريت أقدر أعرف مكانك يا أمي !

حزن على حديث ابنته وقال:
ربنا يتولاه برحمته يا بتي ويمكن تجدري تعرفي مكانها منه!
فكرت وصممت على أن تحاول معه لتعلم مكان والدتها العزيزة!
حتى قطع حديثهم دخول “الصقر” قاطب جبينه وأشار إلى “جود” بعينه:
-على فوق دلوقتي ،يلا!
احتقن وجهها واغتاظت من أوامره فقال بمضض :
-طيب !

وقفت ثم نظرت إلى أبيها وهي تحضنه بينما هتف “حامد” وعيناه باكية:
-خلي بالك من نفسك يا حبيبتي
بكت “جود” بشدة فأبعدها “حامد” وقال آمرًا :
-يلا اطلعي فوق زي ما قال جوزك !
أومأت برأسها واتجهت خارجًا من دون النظر إلى “الصقر” ، توجه إليه حامد وقال :
-مش هوصيك عليها أنا عارف إنك راجل طيب وكويس !

تنفخ “الصقر” وهتف بنبرة عالية:
-قولتلك متقلقش عليها وهي معايا، لازم تثق في كلامي!
هز رأسه “حامد” ثم خاطبه قائلًا :
طب هتنزليني السجن ولا أنزل أنا ؟
نظر له ثم قال بعد برهة مشيرًا بيده :
-ومين قالك إنك هتنزل تحت ؟
نظر له باستغراب وهتف متسائلًا :
-يعني إيه ؟!

أخرج “الصقر” مفتاح من جيبه وأعطاه له وقال باستنكار :
-ما هو مش معقولة حمايا المصون يعيش في السجن ،دي شقة تمليك من رأس مالي الخاص ،بعني حلال اطمن ،هتعيش فيها !
تنهد “حامد” باستياء منه وقال :
-وأنت فاكر إني هقبل منك حاجة زي دي ،لا يا بني أنا أهون عليا أعيش في السجن ولا إني أعيش على حد بيصرف عليا !

هتف “الصقر” بنبرة ساخرة:
-ابقى ادفع دمنها بالتقسيط
-أنت بتهزر صح ؟،أدفع كيف وأنا لا شغلى ولا مشغلة بعد اللي عملته !
حملق به الصقر بعد أن ضاقت ملامحه :
-خلاص روح دلوقتي الشقة ،وبكرة هشغلك تاني بس ممكن تسبني أطلع لمراتي !
تنفخ “حامد” وقال:

-أمري لله !
أشار إليه “الصقر” وقال :
في عربية هتوصلك وبعدين تيجي تجيبك تاني الصبح !
وهكذا ذهب “حامد” ليتنهد “غيث” ويتجه نحو غرفته

………………………………………
في ذلك الفندق الكبير …
جلس “باسل” يفكر ويده وراء ظهره وهو يرتب خطته التي وصل إليها ،ويبتسم بحقد وغل وفي عينه تلمع فحيح الانتقام قائلًا:
هنتقم منك واحدة واحدة يا “صقر” باشا وهبتدي من بكرة كمان !
……………………………………………………

في منزل “سالم”
_دق الجرس بعنف حتى أتت “صباح” مهرولة :
-حاضر براحة براحة !
فتحت الباب لتجد “ماجد” أمامه غاضبًا ،أزاحه من طريقه صارخًا :
-أوعي كده من وشي ! ، يا “رحــيم” باشا تعالى كلمني هنا !
أتى “سالم” إليه قاطبًا حاجبيه وهو ينظر إلى “ماجد” المنلفت !

،تقدم منه يستند على عكازه وتحدث بنبرة فظة :
-دي طريقة حد يدخل بيت محترم يا أفندي أنت !
بدا الغضب عليه أكثر فهتف صائحًا :
-ازاي تسمح لحفيدتك تروح مكان مش معروف زي ده ولوحدها كمان ! ومن غير ما تقولي !!
ضاقت ملامح “سالم” وهو يهتف بنبرة باردة:

-والله أنا حر في بنت ابني محدش لي دخل فيها أما تبقى مراتك ابقى اتصرف ويلا شرفتنا !
قالها “سليم” وبعدها ذهب وهو يرسل نظرات مهينة ،فانصرف “ماجد” وهو يتمتم غاضبًا :
-اما وريتك يا “سالم” باشا !،استنى عليا !
………………………………………

قبيل ذلك الوقت وبعد أن حرق “رحيم” صور “غيث” الصغير ،نظر إلى “كوثر” بشيطانية وهو يخرج حزامه قائلًا :
-ودلوقتي هأدبك بس عشان عملك الأسود !
هوى عليها يضربها بحزامه حتى أنزل بها الجراحات وسط صراختها المتوسلة أغلق الباب بالمفتاج فلم تكن تستطع “صباح” العون لها فركضت نحو “سالم” تستنجد به وقالت:
-يا بيه الحقيني في صويت جامد جوا من أوضة الست “كوثر”
لم يبالي “سالم” بالأمر وظل يقرأ جريدته قائلًا :

-ملكيش فيه ،روحي أعمليلي فنجان قهوة بسرعة
صدمت “صباح” لكنها توسلت إليه خائفة :
-يا بيه بس ..آآ
-ششش،اخرسي أنتِ وروحي أعملي القهوة يلا !
صاح بها فارتعدت وركضت نحو المطبخ وأخذت تبكي ولا تدري ماذا تفعل :
-اعمل إيه بس دلوجتي الست هتموت ،يارتني أعرف نمرتك يا سي “مالك” كنت نجدت أمك !

…………………………………………………….
جلس “مالك” في ذلك المقهى حتى وجدها فابتسم وسلم عليها :
-ازيك يا داليا!
-أنا تمام وأنت ؟
قالتها “داليا” وهي تجلس قبالته ، فرد عليها :
-الحمدلله
نظرت في عينه ثم قالت بنبرة مرحة:

-شكلك مروق أوي انهاردة
هتف رافعًا أحدى حاجبيه :
اشمعنا ؟
ضحكت بطريقة طفولية وقالت :
-حسيت مزاجك مروق كده بس ، مش هطلبلي حاجة بقى ؟
ابتسم على طريقتها وسألها:
-تحت أمرك ،تحبي تاخدي إيه ؟؟؟

-امممم ،أيس كريييم كبييير مليان شوكلاتة كده ومكسرات و ..
قالتها بعفوية فوجدته ينظر لها مندهشًا فقالت متعجبة:
-في إيه ؟!
ضحك عليها ثم ناد النادل وقال:
-احم لا مفيش ،هجبلك ايس كريم !
ابتسمت بخجل وهي تعشر بدقات قلبها تكاد تقفز منها !

……………………………………………
عودة إلى المساء….
في غرفة “الصقر”
لم تبدل “جود” فستانها ولم تدري ماذا سيفعل معها ،دلف فدق قلبها مرتعدًا ، ووقفت مرة واحدة ،رأى رعبها فأظهر عدم اكتراثه وهو يشير إلى فستانها :
-مقلعتيش ليه بقى ؟
هتفت بنبرة كلها صدمة:
-أقلع؟! ، أقلع أيه ،وليه أنا هنا ما تسبني أروح أوضتي !

ابتسم بسخرية واقترب منها ووضع يده على ذراعها :
-من النهاردة ده مكانك سامعة !
ارتعشت “جود” بين يده وهتفت خجلة:
-“غيث” أنا بجد خايفة !
تنهد وأرسل صوت تنهيداته لها فأغمضت عينها ودمعت فمسح بكفيه عليها وهو يقبّل دموعها :
-متقلقيش مني ،دلوقتي غيري هدومك في الدولاب هتلاقي لبس كتير يلا!

ابتعد عنها وذهب إلى مرحاضه بينما اتجهت نحو درفة الدولاب لتجد جميع الملابس لا تناسبها بالمرة، أحمر وجهها وهي تهتف بالضيق:
-ألبس إيه بس ،ده كله قلع مش لبس !
تنفخت وهي تفكر بحل حتى خطرت لها فكرة ابتسمت بمرح وهي تفتح درفة “غيث”
……..
انتهى من حمامه وخرج وهو يلف حلو خصره منشفة بيضاء، وينشف شعره بمنشفة أخرى حتى صدم مما رأى ليهتف مذمجرًا :
إيه اللي أنتِ لابساه ده !!!!؟

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق