قصص وروايات

رواية في قبضة الطاغية (الفصل الثاني عشر)

_ظل صامتًا في أحضانها يبكي فقط ولم يتفوه بشيء ،أما هي فكانت صامدة ولا تفعل شيء ،لم تنكر أنها كانت مرعوبة عندما وجدته يفعل كذلك ،لكن لم ترا منه سوى شخص آخر لا تعرفه ،وجدته قد أغمض عينه ،وعندما تفحصته فعلمت أنه قد نام ،وبحذر وضعته على الوسادة ،وكادت تذهب إلا أنه أطبق على يدها ليجعلها تجلس بجانبه وهو يهتف بخفوت :

متمشيش !
كانت “جود” في حيرة من أمرها ،هل هذا هو تلك الشخصية اللعينة التي تبغضها وتقزز منها ،أم هذا شخصًا آخر لا تعرفه !

_تنهدت “جود” وهي تراه ممسك بيدها بقوة يمنعها من الذهاب ،استاءت من التملص منه والذهاب فاستندت برأسها على حافة السرير ،وهي تفكر بكل شيء مرت به ،ترا لماذا لم يقتل والدها ؟!،هي بالطبع سعيدة أنه على قيد الحياه ،لكنه أخبرها أنه قتل والداها ،يصعب حقًا فهم دماغه تلك ، وتلك الحالة التي بها ،ما سر تلك الكلمات التي هتف بها وماذا يقصد منها ؟،ربما والدها على حق عندما أخبرها أن قصة ذلك الرجل كبيرة وخطيرة أيضًا ،وبعد كل ذلك الشرود غفت على حالها نائمة !

………………………………………………….
في السجن العام بالأسفل ،تجلس سلوى بغضب جامح وهي ترا تلك الجراحات في يدها بعدما إنهال عليها “الصقر” بكل تلك الجراحات ،وتوعد لها بأعظم عذاب ستراه عيناها ، فظلت تلعن حظها وهي ترا “سراج” جالسًا على الجهة الأخرى وهي تنظر له نظرات نارية ،أما هو فبادلها نظرات البرود ،فأخذت تمتم بينها وبين نفسها :
والله ما هسيبك يا “سراج” الكلب إلا ما أخلص عليك بعد ما دمرتني !

أخذت تفكر بطريقة تتخلص بها منه وهي تشتعل من الغضب ،فوجدت تلك الحديدة مرمية على عتبة باب السجن فقررت التريث قليلًا حتى تنفذ خطتها بمهارة !
……………………………………..
لم تصدق “حسنية” أن “الصقر” قد أفرج عنها منذ ساعات ،فبعدما علم بخطتها في تهريب “جود” أرسلها إلى السجن الانفرادي وأخبرها أنه سيقتلها ،لكنه لم يفعل وأفرج عنها دون أن يتحدث بأي شيء ،وأمرها أنها ستكون المسؤولة عن “جود” من اليوم ، أما عن “زينب ” فقد حبسها “الصقر” معاقبة لها بعدما أمر بجلدها ثم طردها من القرية !

…………………………………………………………..
وقفت تنظر في المرآه وعيناه تمضيان بشكل مريب ، وهي ممسكة بتلك السكين وتتوعد إليه :
نهايتك على إيدي يا “صقر” باشا
نعم هي ابنة “بهية” الراحلة “شيماء” ،تقف وتتوعد إليه وهي تهتف قائلة :
هجتلك زي ما جتلت أمي من غير ذنب ،نهايتك جربت علي إيدي !

………………………………………..
استيقظ “الصقر” من نومه وهو يفرك عينه بأرق وقد ارتسمت على ملامحه الجمود والضيق، لكنه شعر بشيء على كتفه فالتفت بنظره حتى وجدها نائمة بهدوء وملامح التعب بادية على وجهها ،تأملها قليلًا وتذكر ما حدث أمس ، كره ضعفه وقتها وأنه أظهر ذلك الضعف أمامها ،نغزها في يدها يوقظها قائلًا :
أنتِ فوووقي !

انفضت “جود” فزعة من نومها وعندما وجدته قريبًا منها فشهقت لكنها سرعان ما تذكرت ما حدث معه فهدأت قليلًا ،لكنها قامت من السرير ووقفت تعدل من هندامها ،وقف هو أيضًا وهو يطالعها بنظراته الحادة وهو يهتف :
فاكرة إنك هتفلتي بعملتك دي ؟!

صُدمت “جود” من حديثه فقد كان أمس مثل الطفل ماذا حدث له الأن، رفعت أحدى حاجبيها ولم تنطق ،أدرك تعجبها لكنه أعاد رسم شخصيته القوية ،فهو يريدها أن تنسى ما حدث وتتذكر تلك الشخصية فقط حتى تتأهب منه ،يريد أن يمنع ذلك الشعور الإحتياجي الذي شعر به منها ،يريد أن يقتله !

تقدم منها وبرّق لها فارتعدت وانكمشت في مكانها ،قبض على يدها قائلًا وهو ينظر نحو عينها الزرقاء :
هربتي ليه ؟! ،اتكلمي !
تشجعت “جود” قليلًا ،فمنذ ليلة أمس وقد أدركت شيئًا هامًا ، فتحدثت قائلة ببغض :
منك !!، ولا أنت مش شايف ولا حاسس باللي خلتني أعيشه !

أظهر لها ابتسامته الساخرة وقد هتف بنبرة متهكمة حادة :
لاء شايف كويس ،شايف لبسك اللي اتغير وشكلك وكلامك اللي اتعلمتيه وكمان أبوكي اللي خليته يعيش ويتنفس !، وكل ده مني !
شعرت “جود” بالقهر من حديثه فهي تبغض تلك العيشة التي يتحدث عنها ، فباغتته بعبراتها التي تعبر عن الكراهية :
فاكر إن بشوية لبس وأكل هتخليني أنسى ازاي عذبتني وضربتني عشان كنت بدافع عن أبويا وهو معملش حاجة ،ومع ذلك قولتلي قتلته وجيت اتفاجأت أنه عايش ومقولتش ليا كل ده ،يبقى ليه مهربش منك !

هربت منه سريعًا إلى الخارج ولم يمنعها ،وهو يذهب إلى حمامه بعد أن أمر وصيفته بالمجيء وهو يستعيد ذهنه مع تلك الفتاة ويفكر بها !
…………………………………
خرجت “جود” من غرفته وهي تتنفس بهدوء بعد أن ارتاحت من مواجهته ،كانت ستنزل عند والدها ،لكنها وجدت “حسنية” آتية إليها بابتسامة هادئة ،تعجبت “جود” من وجودها وقالت :

ست “حسنية” أنتِ بجد هنا ؟!
بادلتها حسينة وقائلة :
والله أنا زيك يا بنتي مش مصدقة إني هنا !
ابتسمت “جود” وهي مازالت لا تدرك لماذا يفعل كل ذلك !
سألتها “حسينة “مستفهمة منها :
إلا أنتِ رجعتي ازاي ؟

تأففت “جود” بضيق وهي تتذكر ما حدث معها وبادلتها قائلة :
يمكن اللي يقع هنا أسير مش بيعرف يهرب ولا يمشي !
-طب أنتِ رايحة على فين كده ؟
سألتها عندما وجدتها تهم بالرحيل فأجابت بهدوء :
هنزل السجن تحت عند أبويا ،هروح فين يعني !
-بس مفييش أوامر ليا بكده !

لم تفهم “جود” مقصدها وقالت :
يعني إيه !
أشارت لها “حسنية ” توضح لها :
الباشا أمرني أكون مسؤولة عنك ،وهو أمرني أوديكي أوضتك عشات تغيري هدومك وتاخدي دش !
زفرت “جود” بانزعاج قائلة :
بس أنا عايزة أكون مع بابا !

نظرت لها “حسنية “بقلة حيلة ،وعلمت “جود” أنها لن تساعدها فتنهدت بضيق وتوجهت نحو الغرفة مع “حسنية” لتبدل ثيابها وهي تفكر بأمر ما
………………………………………………
قصت “كوثر” كل ما عانته وعن قصتها وابنها التي فقدته دون ذنب، تأثرت “صباح” كثيرًا وأشفقت عليها ،وما لبثت أن تذكرت ابنتها المسكينة ،واستها وقالت :

إن شاء الله يقدر يحنلك من التاني والدنيا تمشي من جديد
رجت ذلك “كوثر” وقالت وهي تريه صورته وهو صغير وتبتسم :
صورته وهو صغير
تفرست “صباح” في ملامحه المؤلفة لها وهي تهتف بتعجب :
تعرفي يا ست هانم ملامحه مش غريبة عليا كأني أعرفه والله !

ظهر على ملامح “كوثر” الاستغراب وشكت أنها ربما تعرفه فهتفت لها :
طب بصي يا صباح لو المرة اللي جاية روحت مع “عدلي” هقولك تيجي وتشوفيه يمكن تكوني عارفاه !
أومأت “صباح” برأسها وهي تربت على يدها بهدوء وتتمنى من الله أن يجمعها بابنتها وأن تكون بخير !

………………………………………………………
جلس “مالك” على فراشه يتذكر حبه الوحيد “نادين”
………………..”
علم عنها كل شيء تعرف عليها أكثر وأحبها وتقدم لخطبتها كانت حالته المادية بسيطة وقتها،فلم يوافق أهلها عليه ،أخبرها ووعدها أنه سيعمل بجانب دراسته حتى يحظا بها ،وأصبح الحب بينهم يكبر لمدة سنة كاملة حتى صار ما جعله يكره شيئًا يدعى حب !

….
-لازم نسيب بعض يا “مالك” !
قالتها “نادين” بنبرة بادرة جعلت “مالك” في دهشة من أمره ليهتف قائلًا :
بتقولي إيه ؟؟
-زي ما سمعت ،جالي عريس مناسب جدًا وغني ومش هعرف موافقش عليه الأحسن تبعد عني !
-وحبنا ؟!
هتف بنبرة منكسرة فابتسمت له وقالت :
مسيرك تلاقي اللي تحبك بجد وهي مش أنا !

…………………….”
أفاق “مالك” متنهدًا وقد ألمته تلك السنين ولم ينساها ،حاول ولم يستطع ، ولا يدري ماذا يخبئ له القدر !
…………………………..
جلس الجميع في غرفة الصالة ودلفت إليهم “مليكة” مبتسمة وهي تتجه نحو جدها قائلة :
أحم جدو ..!
ابتسم جدها وعلم أنه تريد أن تخبره شيئًا فقال :
قولي يا لمضة عايزة إيه .؟!

أخبرته “مليكة” عن تنسيقها للقرية وأنها وافقت عليه كي تكتسب خبرة جدية فأخبرها جدها :
حلو التنسيق بالنسبالي حضري نفسك وروحي يا بنتي
بينما اعترضت “كوثر” قائلة :
لا بنتي متروحش مكان زي ده كله فلاحين مبتعدش عني ولا يوم !
-“كـــــــــــوثر” اللي يقوله أبويا يتنفذ فاهمة !
قالها “رحيم” بقسوة ،فتحدثت “مليكة” مطمئنة والدتها :

متقلقيش يا ماما ، في عربية خاصة هتجبني وتوديني ،أنا مش هبات هناك هقضي يوم كامل بس !
علمت “كوثر” أن رفضها لن يجدي بشيء ،فصمتت وأرسلت لها ابتسامة عابرة ،وهي حزينة من داخلها !
……………………………..
بدلت “جود” ملابسها بعد أن أخذت حمامًا ، ووجدت “حسنية” تخبرها أن “الصقر” ينتظرها على مائدة الطعام ،تعجبت وبرقت عيناها وهي ترد عليها قائلة :
بتقولي ايه ؟؟،أنا ؟!!!
-أيوة هو أمرني بكده ،يلا مينفعش نتأخر !

تأففت “جود” وقالت :
أووووف يارب صبرني وخلصني منه !
…………
نزلت “جود” أسفل وهي تتذمر بين نفسها ،ووجدته يجلس بشموخ وأشار لها بالجلوس وهو يهتف لها بنبرة آمرة :
من هنا ورايح هتاكلي معايا دايمًا سامعة !
لم يرى منها سوى صموت متضجر فهبت على الطاولة بيده :
بقولك ســــــــامعة !
ارتعبت “جود” وأومأت برأسها بطريقة سريعة :

حاضر !
عاد إلى هدوءه وأشار بيده لتتناول الطعام :
كلي !
كانت “جود” تريد إخباره الأن فتشجعت وقالت :
هو أنت ازاي عايزني آكل كده عادي وأنام في أوضة مريحة وأبويا مرمي في السجن !
أخذ “الصقر” يلوك الطعام في فمه دون اكتراث وقال :
هو غلط وبيتعاقب ،وإن كان على الأكل فهو بياكل كويس متقلقيش !

كادت تتحدث مرة أخرى فأوقفها بحركة من يده :
كلي وأنتِ ساكتة !
تنفخت بضيق جلي وبدأت تأكل على مضض ،فنظر لها من زاوية عينه وابتسم بخفة !
…………………………………………………..
باغتته تلك الحالة من جديد وطلبها إليه مجددًا ،كانت متحيرة تلك المرة أكثر ولم تدري هل هو مريض أم ماذا ،احتضنها وهو يقول بلوعة :
متسبنيش أنا مش وحش مش وحش !

تعجب من حديثه كثيرًا وللحظة أشفقت عليه ورفعت يده على ظهره وربتت عليه بهدوء ،ابتعدت عنها قليلًا وهو يتأملها وتأمل تلك الشفاه التي لم يتذوقها بعد ومن دون وعي منه قبّلها باحتياج ففزعت هي لكنه كان مطبقًا عليها وألصقها به ،أبعدته بيدها ترفض ذلك حتى قامت بزقه بعنف فابتعدت وقامت هي قائلة ببكاء :
أنت اللي بتعمله ده ،فاكرني مراتك ؟؟! ،هتفضل كده وحش مش مهتم غير بنزواتك وبس !

صمت ولم يرد وهو يأخذ أنفاسه وكأنه غير مدرك ما يفعله فقام بطغتية نفسه وانكمش ليخلد لنومه ،توقفت عن البكاء وهي تتنفس بسرعة وتراه على تلك الحال ،فتقدمت منه مترددة وجدته في منظر ألم قلبها فجلست جانبه حتى دثر نفسه في حضنها ،وكل واحد لا مدرك ما يفعله !

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق