قصص وروايات

رواية في قبضة الطاغية (الفصل التاسع)

_عادت زينب إلى الغرفة التي تقطن بها جود وهي تمتم قائلة :
خلاص لقيتها يلا بقى انجزي عشان …
توقفت زينب عن الكلام شاهقة بصدمة عندما لم تجد جود ، ظلت تتفحص الغرفة باحثة عنها ،ثم ظنت أنها ربما تكون في المرحاض ،فاتجهت نحوه بخطاه مرتجفة حتى دقت الباب هاتفة :

أنتِ جوا ؟
لم تلتقي أي رد ،فقررت النداء عليها مرة أخرى بأمل مترجٍ ، لكن لم تجد صوتًا ،ارتجفت خائفة ولم تدري ماذا تفعل ثم هتفت متحيرة :
هتكون راحت فين ؟، بس أنا مشوفتهاش وأنا جاية ،أعمل إيه بس ،ده لو الصقر باشا عرف هيموتني !
وفي تلك اللحظة اقتحم الصقر الغرفة دون سابق إنذار ،فزعت زينب وتوترت ،ولم تدري بماذا تخبره حين سؤاله عن جود !

_تفرس الصقر بها وبهيأتها الغير مريحة ، ورفع إحدى حاجبيه وهو يتفحص الغرفة باحثًا عن جود التي ليس لها أثر ، نظر نحو زينب وقد ضاقت عيناه واحتدت وهتف بنبرة مزمجره :
هي فين ؟!!
ابتلعت زينب ريقها وفركت يدها بتوتر ملحوظ وهي تهتف مرتعشة :
مش …مش عارفة !

قهقه الصقر بسخرية للحظات ثم ما لبثت أن تحولت عينه للهب يكاد يشتعل وهو يصيح بهمجية :
هي فـــــــــين ؟!!، كنتوا بتلعبو استغومية مثلًا !!
انفضت زينب وشعرت أن حياتها على وشك الانتهاء فتحدثت مبررة بنبرة مرتبكة :
والله ما أعرف يا صقر باشا ، أنا سبتها هنا عشان كنت نسيت حاجة من هدومها ونبهت عليها متتحركش ،معرفش حصل إيه ولا راحت فين !

صمت الصقر للحظات يستوعب ما قالته تلك الخادمة الحمقاء ، أحقًا هربت ؟!،تنفس بغضب حاد ثم ركض مسرعًا للبحث عنها ، متوعدًا زينب قائلًا :
حسابك عسير معايا يا غبية !


بحث عنها الصقر في جميع أنحاء القصر وتأكد من كاميرات المراقبة أنها لم تنزل أسفل في منطقة السجن ، فقرر رؤية كل التسجيلات للمراقبة ،حتى جحظت عيناه وهو يراها تهرب من باب المطبخ ،وكانت حسينة تحدثها ،غضب غضبًا شديدًا ليس له حدود، وقد تقدم في بهو القصر و ………….
صرخ الصقر في أنحاء القصر كله ،مناديًا على كل من به ،فأتى الجميع مهرولين إليه وقد فزعوا منه ومن شكله المرعب ، وخاصة حسنية التي توترت بشدة …

….
كذلك في الأسفل حيث يجلس حامد استطاع سماع صوت صراخ الصقر ،فانقبض قلبه خائفًا ثم هتف بنبرة متلجلجه :
جج..جوود!

نظر لهم الصقر كالصقر مفترس سيفتك بهم جميعًا ثم علّت نبرته بشدة قائلًا :
مشغل عندي شوية بهايم ،مش عارفين يأمنوا المكان !

ثم نظر نحو حسنية نظرات فظة مصوبًا حديثه لديها :
لاء وكمان واطيين وأغبيه !
ارتعبت حسنية ولم تتحدث فظلت صامتة بخوف تام وهي تتذكر كيف ساعدت جود للهروب !
………..”
كانت حسنية في غرفة جود قبل مجيئ الخبير أمير تطعمها بعد أن جهزتها زينب ، ترددت جود في إخبار تلك السيدة عما تريده لكنها رأت فيها الاختلاف والتميز بالحنان ،لاحظت حسنية شرود جود والصفون بها ،فتحيرت حسينة وهتفت قائلة :

مالك يا حبيبتي ،شكلك عايزة تقوليلي حاجة ومترددة ؟
حسمت أمرها جود وتكلمت سريعًا فور مجيء الفرصة لها قائلة بنبرة متلهفة :
ساعديني !
تعجبت حسنية بينما أكملت جود بنبرة منكسرة :

ساعديني أهرب من هنا بالله عليكي يا ست هانم ،أنا مش هجدر(هقدر) أفضل هنا طول عمري ،هيجرالي حاجة !
بكت جود وشهقت بحرقة فأشفقت عليها تلك السيدة وظلت تفكر بعد أن رأت أن هذا يجب أن تفعله معها ،وعلى جهل حسنية فلم تعلم بشدة حرص الصقر في قصره و وجود تلك الكاميرات في جميع أنحاء القصر ،فأخبرتها على الفور قائلة :
هساعدك تهربي بس لازم نرتبها كويس

فرحت جود ولو قليلًا أنها ربما ستنجو من براثن هذا المتوحش التي تبغضه وتريد قتله ،لا يهم إلى أين ستذهب فالشارع أرحم من أن تعيش تحت سطوته !
بدأت جود وحسنية في التخطيط بتريث تام حتى اتفقا كليًا ما سيحدث ….
وخلال ذلك الوقت المار مع الخبير ،دلفت حسينة بتخفي وقد رأت الثوب التي سترتديه جود بعد ذلك ،فأخذت الحذاء ووضعته عند مكانه في البداية ،بعد أن راقبت حسينة زينب مكان ما أتت بالثوب ! ……

وقبيل دخول زينب لتجهز جود ،حضرت حسنية وهتفت لجود معطية إياها تلك العباءة السوداء :
خدي دي خبيها تحت السرير ولما تمشي زينب البسيها بسرعة وانزلي !
أومأت جود برأسها بنظرات ممتنة ،وقلبها يدق من الخوف على ما سيجري لاحقًا …
………………………………………….
أفاقت حسنية من شرودها سريعًا وهي تبتلع ريقها وتستمع إلى توبيخ الصقر ،وبعد برهة من ذلك التوبيخ اللاذع هتف الصقر بنبرة آمرة حادة :
في ظرف ساعة بس لو مجبتهواش هنا تحت رجلي رقابكم هتكون مقطوعة !

انصرف الجميع راكضين للبحث عنها بينما أوقف الصقر حسنية بصوته الضخم :
استنـــــــــــي يا حسنية !
قلب فزع تذهب منه الدماء وهو شعور حسنية الأن ، ابتسم لها الصقر بخبث رهيب وقد لمعت عينه بشر لا يحمد عقباه فكانت حسينة ترتعش !
…………………………………….

ظلت تركض وتركض دون هدى تبكي فقط وقد تحررت من أسره ،من كثرة دموعها أصبحت الرؤية مشوشة لها ،فسطع ذلك الضوء من تلك السيارة القادمة والتي لم تستطع جود الابتعاد عنها وتفاديها فسقط مغشيًا عليها بعد أن أحست أنها اصطدمت بها !
………………………………………..
بحث الجميع عن جود ولم يكن لها أي أثر ،ووعد سراج الصقر بأنه سيأتي بها في أسرع وقت ولا داعي لأن يقلق بشأنها ،إلا أن سراج إذا وجدها فلن يفوت تلك الفرصة بالنيل منها ،وأخذها له فقط ! ….

جلس الصقر بغرفة مكتبه يلهث من كثرة شربه للسيجار بشراهة ،وما لبث أن أتى له اتصالا ليجده شريف ،تأفف بانزعاج حاد وهو يرد عليه قائلًا :
أيوة يا شريف خير ؟
-مالك يا صقر باشا أنت كويس ولا إيه ؟
حاول الصقر إظهار نبرته بشكل طبيعي قائلًا :
أنا تمام ،في حاجة بخصوص معادنا ؟

-أيوة ،بقدملك اعتذاري إني مش هقدر أجيلك انهاردة جالي وفد مهم من أستراليا على فجأة كده
ارتاح الصقر لأن شريف لن يأتي وأن خطته لن تعطل أو تؤجل وهكذا سيبحث عن جود بحرية أكثر !،فحدثه بنبرة فاترة :
أوكي ،مفيش مشكلة هبقى أحدد معاك معاد قريب وقت ما أرتب مشاغلي !
-خد راحتك على الآخر
لم يرتاح الصقر لنبرته في الحديث لكنه لم يكترث الأن حيث وراءه ما هو أهم من شريف وهو بحثه عن جود فقط …!
أغلق معه الهاتف ودلف خارج القصر وركب سيارته الخاصة شاردًا بغضب !

………………………………………..
بعد أن أغلق شريف الهاتف ابتسم باستهزاء واضح وهو ينظر إلى تلك النائمة على فراشه ليقترب منها ويحدثها وهي نائمة مملسًا على شعرها الناعم :
كنت فاكر عشان آخدك صعب وهياخد وقت بس كل حاجة جت على الجاهز وهتبقى بتاعتي وبس !
نظر لها نظرات شيطانية وهو يتأمل جسدها النحيف متشوقًا !

……………………………………
كانت كوثر تنظر إلى ذلك الألبوم الذي يجمع صغيرها غيث وهي معًا بعد أن اخفت الألبوم دون علم أحد ، ودموعها تنساب على تلك الصور بحسرة وألم ..
_ثم سمعت صوت طرقات الباب فكفكفت دموعها سريعًا وأخفت الألبوم وثم ذهبت لتفتح الباب لتجد عدلي واقف أمامها وعلى وجهه ابتسامة صافية ،تفاجأت به كوثر وأخبرته قائلة :
خير يا عدلي ؟
حثها سريعًا قائلًا :

دلوقتي غيث كلمني وعايز يشوفني ،ايه رأيك تيجي معايا بس بشرط تقفي بعيد بحيث ميشفكيش
تهلهلت أسارير كوثر وأومأت برأسها عدة مرات بسعادة ثم ذهبت مع عدلي لرؤية ولدها الوحيد …غــيث !
……………………………..
جلس مالك في شرفته متنهدًا وقد استغرق تفكيره ذلك الجرح الذي لم يلم في قلبه !
…………..”
بعد أنهى مالك محاضرته قرر أن يتمشى قليلًا بمفرده ،وبعد برهة وجد مجموعة من شباب السوء يلتفون حول فتاة تبكي ولا تعرف كيف تتصرف ،وبدون تفكير اقتحمهم جميعًا صارخًا بهم :
ابعد يالا أنت وهو من هنا !

قهقه أحد الشباب بسخرية بالغة هاتفًا :
ابعد عنها انت يا حبوب
وأحد آخر يلكزه :
تطلع مين يعني !
أجاب مالك على الفور بأعين حادة قائلًا :
دي خطيبتي يا بغل منك له ،امشي يلا و إلا هحبسكم عندي في الاسم ،واهي فرصة نتسلى عليكم شوية !
ارتعد الشباب ليقول واحد منهم مشيرًا للهروب :

يلا يا ياض ده طلع بوليس!
هرب الجميع في لمحة البصر فنظرت إليه الفتاة بكل براءة تشكره قائلة :
مش عارفة أقول لحضرتك إيه ،يا ريت كل الشرطة كده زيك
ابتسم لها وخاطبها قائلًا :
بس أنا مش ظابط!
تعجبت الفتاة وتساءلت بحيرة :
ازاي مش فاهمة ؟
اتسعت ابتسامة مالك وهو يرى ارتباكها وخوفها فخاطبها قائلًا :

قولتلهم كده بس عشان يخافوا وبما أن كان عددهم كبير فلو إتخانقت معاهم ،كنت هبقى جثة تحت القناطير !
ابتسمت الفتاة بوجه مرح ثم شكرته خجلة :
احم ..طب ميرسي أوي ليك !
أشار إلى عينها قائلًا
طب امسحي دموعك دي ،وفرصة سعيدة إني شوفتك ،وأعرفك باسمي ،مالك رحيم طالب في كلية إدارة أعمال مش شرطة يعني !

ضحكت عليه الفتاة ومن طريقته وكانت ضحكتها رقيقة جعل قلب مالك يخفق منها فهتفت قائلة :
وانا اسمي نادين ،بس في كلية هندسة..
……………”
قطع عليه شروده دخول نسخته الجميلة لتجده على ذاك النحو ،فحزنت لأجله وهي تعرف بما يفكر ،فربتت عليه بحنو قائلة :
لسة منستهاش يا مالك ؟
نظر لها مالك بعد أن انتبه إليها وخاطبها ويديه في وجهه :
لسة بحبها أوي !
قدّرت مليكة مشاعره ثم نظرت نحو الشرفة وقالت له :
شايف النجوم اللي هناك دي يا مالك ؟

نظر مالك إلى النجوم ثم تحير مما تريد قوله فأكملت بنبرة آملة :
لو خدت بالك ان كل النجوم دي وانت شايفها من هنا شبه بعض إزاي ،مش هتعرف تفرق بينهم ،لكن لو شوفتهم من قريب ودققت كويس فيهم هتلاقي كل واحدة ليها شكل مختلف وميزة مختلفة
أعجب مالك بحديثها فتابعت مبتسمة :
ودي كانت مشكلتك شوفتها على أساس نجمة بعيدة وطاير بيها ،لكن لو بصتلها من قريب ومن جوا مكنتش هتختار النجمة دي !

صمت مالك وتنهد متثاقلًا ثم هتفت وهو يستند بمرفقيه على سور الشرفة :
معاكي حق يا قتطي ،صدقيني هحاول أنساها!
تأملت مليكة ذلك بينما سألها مالك :
صحيح كنتي جاية ليه ؟
اختفت ابتسامة مليكة ثم نظرت نحو السماء وقالت :

ماجد متغير أوي معايا عصبيته دي مش عارفة أتعامل بيها ،مع أنه إنسان كويس أوي وبيحبني لكن مش بيعرف يتحكم في عصبيته ،لسة مكلمني ومتخانق معايا بس عشان قولتله انزل معايا نشوف الكنب وناخد فكرة ، اتعصب واتحجج بشغله !
صمت مالك قليلًا ثم باغتها بسؤاله :
لوحاسة إنك مش هتقدري تكملي معاه إحنا لسة على البر وإنهي كل شيء !
ارتبكت ملكية ثم خاطبته بمزاح مزيف :
أيوة عشان جدو يدبحني ههه

ثم تركت غرفته وذهبت لغرفتها تبكي بصمت وعاد مالك إلى شروده ………………………………………..
وقف الصقر على كورنيش النيل بعد ان استغرق كل تلك المسافة للوصول إليه ،ثم انتظر حتى لمحه آتٍ بوجه بشوش ارتاح لرؤيته لكنه لم يظهر ذلك ،فاحتضتنه ذاك قائلًا :
مصدقتش لما كلمتني يا غيث !
نظر له غيث ثم قال بتنهيدة :
بعد كل ده واللي حصل ،إلا إنك الوحيد اللي معرفتش أكرهه وأمحيه بنفسي !

ابتسم له عدلي ثم قال :
انت ملكش ذنب يا بني وتأكد إني بعتبرك زي ابني بالضبط
صمت غيث ولم يتحدث بل شرد في النيل فقط ،وعلى الجانب الآخر كانت كوثر تراقب الوضع من بعيد حتى رأته ،نعم هو ابنها ولدها الحبيب يا الله كم كبر وأصبح رجل غير عاديًا ،أحقًا هذا غيث ولدها كم تمنت أن تركض نحوه وتأخذه في أحضانها ،بكت بحسرة وهي تتابعه بصمت لتشبع نظراتها به !
……

لاحظ عدلي وجوم الصقر “غيث” فحثه على الحديث :
شكلك عايز تقولي حاجة !
-زي ما أكون ضايع تايه لشيء مش عايز اعترف بيه أو بقتله !
قالها بنبرة غير عادية فاعتلى عدلي على ثغره ابتسامة ليفاجأه بسؤاله :أنت بتحب يا غيث ؟
نظر غيث له بأعين متفتحة ولم يجب بل ترك له المكان وذهب

……………………………………………..
استيقظت تشعر بألم لتجد نفسها في غرفة ما وأنها بخير ،حمدت الله على ما حدث ولكنها جهلت أين هي ،لكن لاحظت أن العباءة لم تكن ترتديها بل ذلك الفتسان القصير من وقتها ،تفحصت الغرفة بأعين حائرة حتى دلف إليها ونظر لها قائلًا :
نمتي كويس يا روح قلبي ؟!
جحظت عينا جود وهي تنظر لهذا الرجل !!!!!!!

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق